المستشفى الميداني الإماراتي في غزة يستقبل وفداً من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية
«الدفع مقابل الحماية».. ماذا يريد ترامب من قمة»الناتو»؟
يتّجه حلف شمال الأطلسي «الناتو» إلى مرحلة جديدة من التحول في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تسعى إلى إعادة تعريف دور الحلف من إطار أمني قائم على الدفاع الجماعي والقيم المشتركة، إلى منصة تعزز الإنفاق العسكري وتدعم صادرات الصناعات الدفاعية الأمريكية.
وأصبح البعد الاقتصادي والتجاري يحتل موقعاً متقدماً في أجندة الحلف، مع تركيز متزايد على رفع إنفاق الدول الأوروبية على الدفاع وتوسيع مشترياتها من الأسلحة الأمريكية، في تحول يعكس نهج الإدارة الأمريكية القائم على مبدأ «العائد مقابل الالتزام»، بحسب تقرير لموقع «بوليتيكو».
قمّة أنقرة
تستضيف العاصمة التركية أنقرة يومي 7 و8 يوليو-تموز الجاري، القمة السنوية لقادة «الناتو»، وسط توقعات بأن تركز المناقشات بصورة أكبر على الاستثمارات الدفاعية وصفقات التصنيع العسكري، بدلاً من الملفات التقليدية المرتبطة بتوسيع عضوية الحلف أو تعزيز الدفاعات على الجبهة الشرقية في مواجهة روسيا.
ويرى التقرير أن هذا التحول يعكس مقاربة أكثر براغماتية في إدارة العلاقات مع الحلفاء، تقوم على تقاسم الأعباء المالية وربط استمرار المظلة الأمنية الأمريكية بزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي.
ونقل التقرير، عن أحد الدبلوماسيين الأوروبيين، قوله إن أوروبا لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة في المجال الأمني، وهو ما يجعلها حريصة على تجنب أي صدام مباشر مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى تأكيد أن لديها مصالحها الاستراتيجية التي ينبغي أخذها في الاعتبار.
120 مليار دولار
السفير الأمريكي لدى «الناتو»، مات ويتاكر، قال إن الولايات المتحدة ترحب بالجهود الأوروبية الرامية إلى زيادة الإنتاج الدفاعي وتخفيف القيود التنظيمية التي تعرقل الصناعة العسكرية، لكنها ترفض أي توجهات حمائية قد تحد من فرص الشركات الأمريكية داخل السوق الأوروبية. وأشار ويتاكر إلى أن دول الحلف التزمت خلال العام الماضي بزيادة إنفاقها الدفاعي بنحو 120 مليار دولار، موضحاً أن ما يقارب نصف هذه المبالغ خُصص لشراء معدات عسكرية أمريكية، واصفاً ذلك بأنه «بداية جيدة»، وفقًا لـ»بوليتيكو».
ويمثل هذا الرقم ارتفاعاً مقارنة بما أعلن خلال قمة العام الماضي، عندما بلغت الزيادة في الإنفاق الدفاعي نحو 90 مليار دولار، في وقت تواصل فيه إدارة ترامب الضغط على الحلفاء لرفع الإنفاق الدفاعي من 2% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، مع التلويح بإعادة النظر في الالتزامات الأمريكية داخل الحلف إذا لم يتحقق ذلك.
كما ربط وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث تسريع مبيعات الأسلحة الأمريكية للحلفاء بزيادة مستويات إنفاقهم العسكري، في خطوة تعزز ارتباط السياسة الأمنية بالمصالح الصناعية والتجارية الأمريكية.
الصناعات الدفاعية
ويشير التقرير إلى أن الأمين العام لـ»الناتو»، مارك روته، يسعى إلى تحويل قمة أنقرة إلى منصة لإطلاق شراكات صناعية وإعلانات استثمارية بين شركات الدفاع، بما يمنح القمة بعداً اقتصادياً واضحاً إلى جانب بعدها الأمني.
وقال دبلوماسي أوروبي آخر إن نجاح فعاليات الصناعات الدفاعية المصاحبة للقمة قد يعزز نظرة ترامب الإيجابية للحلف، إذا ما رأى فيها فرصاً اقتصادية واستثمارية ملموسة.
وتماشياً مع هذا التوجه، أعلن كل من المملكة المتحدة وألمانيا، قبيل انعقاد القمة، خططاً لإنتاج أسلحة أمريكية داخل أراضيهما بموجب تراخيص تصنيع، في خطوة تعكس توسع التعاون الصناعي الدفاعي بين ضفتي الأطلسي. كما أشار مارك روته، خلال زيارة سابقة إلى واشنطن، إلى أن الطلبات الأوروبية على الأسلحة الأمريكية، التي تبلغ قيمتها نحو 300 مليار دولار، تدعم أكثر من 110 آلاف وظيفة داخل الولايات المتحدة، وهو ما يعزز البعد الاقتصادي للعلاقات الدفاعية بين الجانبين.
صفقات بمليارات الدولارات
ووفقاً للتقرير، تدرك العواصم الأوروبية أنها لن تتمكن من تكرار الزخم الذي شهدته القمة السابقة في لاهاي، لكنها تستعد للإعلان عن صفقات دفاعية بمليارات الدولارات، إضافة إلى تنظيم منتدى للصناعات العسكرية بالتوازي مع أعمال القمة.
وقال دبلوماسي أوروبي ثالث، إن الهدف يتمثل في إقرار التعهدات الخاصة بالإنفاق والأمن وإنجاز أعمال القمة بسرعة، مضيفاً أن هذه الخطوات تخدم الأمن الأوروبي، لكنها في الوقت نفسه تأخذ في الاعتبار طبيعة العلاقة الحالية مع الإدارة الأمريكية.
إعادة رسم أولويات الحلف
ويرى موقع «بوليتيكو»، أن توجه ترامب لا يقتصر على زيادة الإنفاق الدفاعي، بل يمتد إلى إعادة هيكلة أولويات الحلف بما يمنح الصناعات العسكرية الأمريكية مساحة أكبر داخل الأسواق الأوروبية.
وضمن هذا التوجه، أعادت وزارة الدفاع الأمريكية خلال العام الحالي تنظيم المكاتب المسؤولة عن المبيعات العسكرية الخارجية ضمن خطة أوسع تستهدف تعزيز صادرات الصناعات الدفاعية الأمريكية وتشجيع الدول الحليفة على شراء المعدات المنتجة في الولايات المتحدة. كما كثفت الإدارة الأمريكية رسائلها بشأن ضرورة تحمل أوروبا مسؤولية أكبر في الدفاع عن القارة، في ظل مراجعة الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا وإعادة تقييم انتشار القوات الأمريكية.
ضغوط على أوروبا
ويشير التقرير إلى أن عدداً من الحلفاء الأوروبيين يشعرون بقلق متزايد بعد سلسلة قرارات اتخذتها إدارة ترامب، شملت الإعلان عن سحب قوات من ألمانيا، وإلغاء بعض عمليات الانتشار العسكري في بولندا، إلى جانب مراجعة مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في القارة.
كما يواجه الأوروبيون تحديات إضافية تتعلق بالحرب في أوكرانيا واستمرار التوتر مع روسيا، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول قدرة أوروبا على تعزيز قدراتها الدفاعية إذا تراجعت مستويات الانخراط العسكري الأمريكي.
وفي هذا الإطار، من المتوقع أن تتراجع وزارة الدفاع الأمريكية عن خطة كانت تقضي بنشر صواريخ «توماهوك» في ألمانيا، خشية أن تعتبر موسكو هذه الخطوة تصعيداً إضافياً، وهو ما يترك برلين أمام تحديات تتعلق بتطوير قدراتها في مجال الأسلحة بعيدة المدى.
تحالف المصالح
ويخلص «بوليتيكو» إلى أن «الناتو» يشهد تحولاً تدريجياً من تحالف تأسس على مبادئ الدفاع الجماعي والقيم الديمقراطية المشتركة إلى إطار تحكمه بصورة متزايدة اعتبارات الكلفة والعائد والمصالح الاقتصادية.
وفي تطور متصل، دعا وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، خلال اجتماع لوزراء دفاع الناتو في بروكسل الشهر الماضي، إلى تحويل الحلف إلى تحالف عسكري أكثر صرامة يمتلك قدرات تقليدية كافية لردع التهديدات داخل القارة الأوروبية، مع تولي الدول الأوروبية الدور الرئيسي في الدفاع التقليدي عن أوروبا، بدلاً من استمرار الاعتماد الكبير على القوات الأمريكية.
ويرى التقرير أن هذا التوجه يعكس رؤية إدارة ترامب لمستقبل الحلف، حيث يصبح الإنفاق الدفاعي والاستثمار في الصناعات العسكرية أحد أهم معايير الشراكة داخل الناتو، بما يربط الأمن الجماعي بصورة أوثق بالمصالح الاقتصادية والصناعية للولايات المتحدة.