«أثر+» يطلق النسخة الثانية من هاكاثون «هاك فور إمباكت» في أبوظبي
«سلاح الضرورة».. المسيرات الأوكرانية تعوض نقص الإمدادات الغربية
تتسع مساحة الاعتماد الأوكراني على الطائرات المسيرة مع استمرار الحرب وتزايد الضغوط المرتبطة بإمدادات السلاح والذخائر، في وقت باتت فيه كييف تعلن بصورة متكررة عن برامج وعمليات تستهدف العمق الروسي وخطوط الإمداد العسكرية الممتدة خلف الجبهات.
وفي هذا السياق، أعلن وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف إطلاق برنامج "الإغلاق اللوجستي"، وهو برنامج مخصص لتوسيع نطاق ضربات المسيرات ضد شبكات الإمداد الروسية في المناطق الخلفية.
وبحسب البيانات الأوكرانية، تبلغ قيمة البرنامج نحو 113 مليون دولار، ويستهدف تعطيل حركة نقل المعدات والذخائر والقوات الروسية عبر الممرات البرية التي تربط الأراضي الروسية بشبه جزيرة القرم والمناطق الخاضعة للسيطرة الروسية في جنوب أوكرانيا.
وتزامن ذلك مع إعلان لواء "نيميسيس 412" التابع لقوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية تنفيذ هجمات باستخدام مسيرات هجومية بعيدة المدى على امتداد الطريق البري المعروف باسم R-280، وهو أحد أهم مسارات النقل التي تربط منطقة روستوف الروسية بشبه جزيرة القرم مرورًا بعدد من المدن الواقعة في الجنوب الشرقي الأوكراني.
ووثّقت تقارير لـ"أكسيوس" نشاط وحدات تشغيل المسيرات الأوكرانية على خطوط القتال الشرقية، مشيرة إلى أن الطائرات غير المأهولة أصبحت تنفذ ضربات على مسافات تمتد لعشرات الكيلومترات خلف خطوط الاشتباك.
وأشارت تقارير "أكسيوس" إلى أن الهجمات المتكررة على الطرق ومحاور النقل المستخدمة من قبل القوات الروسية تسببت في إبطاء حركة الأفراد والمعدات المتجهة إلى مناطق المواجهة.
وفي ذات السياق، أعلنت موسكو تنفيذ ضربات استهدفت مواقع قيادة عسكرية أوكرانية باستخدام منظومات وصواريخ مختلفة، مؤكدة عزمها مواصلة استهداف ما وصفته بمراكز القيادة وصنع القرار داخل أوكرانيا.
وفي وقت سابق، وجه الرئيس فولوديمير زيلينسكي رسالة إلى الإدارة الأمريكية حذر فيها من تراجع القدرات المتاحة للتصدي للهجمات الصاروخية، وحاجة بلاده إلى دعم إضافي في مجال أنظمة الدفاع الجوي، خاصة تلك المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية. وفي شبه جزيرة القرم، أعلنت قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية تنفيذ ضربات استهدفت منظومتين للدفاع الجوي الروسي، إضافة إلى أهداف لوجستية ووحدات نيران متنقلة في عدة مناطق أخرى.
ومع هذه التحركات وعودة المسيرات إلى الواجهة مجددًا، يبقى السؤال هل أصبحت أوكرانيا تعتمد على الحرب الجوية لتعويض نقص الذخائر الغربية؟ وذلك مع اتساع البرامج المخصصة للطائرات غير المأهولة، وتزايد الضربات المعلنة ضد شبكات الإمداد والدفاعات الجوية والبنية التحتية العسكرية الروسية.
وذكر مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية في أوكرانيا سعيد سلام، أن الهجمات الأوكرانية الواسعة بالمسيرات على شبه جزيرة القرم وعمق الأراضي الروسية تكشف عن تحول متسارع في طبيعة الحرب، مع انتقال كييف تدريجيًا من نمط المواجهة التقليدية إلى حرب تعتمد على الاستنزاف الاقتصادي واللوجستي عبر الطائرات المسيرة.
وقال في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن إعلان وزارة الدفاع الروسية اعتراض 286 مسيرة أوكرانية خلال ليلة واحدة يحمل دلالات استراتيجية كبيرة، لأنه يعكس دخول أوكرانيا مرحلة "الإغراق بالمسيرات"، عبر استخدام أسراب متزامنة لإرباك الدفاعات الجوية الروسية واستنزافها بصورة مستمرة.
وأضاف مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية في أوكرانيا، أن هذا التحول جاء نتيجة أزمة متراكمة في الدعم الغربي، مع تراجع مخزونات الذخائر وتصاعد الخلافات السياسية داخل الولايات المتحدة وأوروبا بشأن استمرار التمويل العسكري.
وبين أن كييف وجدت نفسها أمام واقع يفرض إعادة صياغة عقيدتها العسكرية نحو نموذج يعتمد على المرونة والحرب منخفضة الكلفة وعالية الكثافة، بحيث تتحول المسيرات إلى العمود الفقري المتصاعد للقدرة القتالية الأوكرانية.
وأشار سلام إلى أن أوكرانيا رفعت إنتاجها إلى ملايين المسيرات سنويًا عبر شبكات إنتاج مرنة تضم شركات صغيرة ومراكز ابتكار ومهندسين، وهو ما منحها قدرة متواصلة على تطوير أنظمة هجومية جديدة.
وكشف مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية في أوكرانيا، أن الاستراتيجية الأوكرانية باتت تركز على استهداف قطاع الطاقة والموانئ وشبكات النقل ومنظومات الدفاع الجوي داخل العمق الروسي، وعلى مسافات تصل إلى نحو 2000 كيلومتر. وقال إن استهداف توابسي لا يقتصر على الأضرار المباشرة بل يمتد إلى رفع تكاليف الشحن والتأمين وإرباك سلاسل الإمداد الروسية.
ومن جانبه، أكد هشام معتضد، الباحث الاستراتيجي، أن أوكرانيا تتحول تدريجيًا إلى ما يشبه "دولة المسيرات"، باعتبار ذلك خيارًا استراتيجيًا فرضته تعقيدات الحرب الطويلة واختلال ميزان الموارد مع روسيا.
وفي تصريح لـ"إرم نيوز" أشار إلى أن القيادة الأوكرانية تدرك أن مخزون الذخائر الغربية التقليدية، خاصة الصواريخ بعيدة المدى والذخائر المدفعية الدقيقة، أصبح أكثر تذبذبًا نتيجة الإرهاق الصناعي الغربي والحسابات السياسية المتغيرة داخل أوروبا والولايات المتحدة، هو ما دفع كييف إلى الانتقال من نموذج الحرب التقليدية الثقيلة إلى نموذج "الاستنزاف الذكي منخفض الكلفة".
وشدد معتضد على أن الحديث عن إطلاق نحو 285 مسيرة فوق القرم وامتداد العمليات نحو العمق الروسي ومناطق مثل توابسي، لا يعكس فقط قدرة هجومية متنامية، بل يكشف أيضًا عن تحول عقائدي في إدارة المعركة، عبر ما وصفه بـ"حرب الإشباع الجوي"، القائمة على إرسال أعداد كبيرة من المسيرات منخفضة الكلفة بهدف إنهاك الدفاعات الروسية واستنزاف الذخائر الاعتراضية.
ولفت إلى أن أوكرانيا تستخدم المسيرات كبديل جزئي عن التفوق الجوي الذي تفتقده في مواجهة روسيا، من خلال استهداف منشآت الطاقة والمطارات ومصافي النفط والبنية العسكرية الحساسة.
وأشار إلى أن حريق توابسي، في حال ثبت ارتباطه المباشر بالهجمات الأوكرانية، يندرج ضمن استراتيجية تهدف إلى رفع الكلفة الاقتصادية للحرب داخل روسيا.
وحذر معتضد من المبالغة في اعتبار المسيرات بديلاً كاملاً للذخائر الغربية، مؤكدًا أنها فعالة في الاستنزاف والإزعاج الاستراتيجي، لكنها لا تستطيع وحدها حسم معارك السيطرة الأرضية أو اختراق التحصينات بالكفاءة نفسها التي توفرها المدفعية الثقيلة والصواريخ الدقيقة.
وشدد على أن الحرب الحالية تعكس إعادة هندسة للقتال الأوكراني ضمن منظومة هجينة تجمع بين التكنولوجيا منخفضة الكلفة والاستخبارات الدقيقة والضربات المتفرقة.