إدارة الإعلام بشرطة رأس الخيمة تستعرض خططها في ملتقاها الشتوي
أوكرانيا بين واشنطن وموسكو.. هل تفرض أوروبا نفسها في مفاوضات الحرب؟
في خضم الترتيبات السياسية المتسارعة بشأن الحرب الروسية الأوكرانية، عادت أوروبا لطرح سؤال الدور الغائب في إحدى أخطر الأزمات التي تمس أمنها المباشر، خاصة أن واشنطن لا تزال تمسك بخيوط الدعم العسكري والسياسي لكييف، فيما تتفاوض موسكو من موقع القوة الميدانية.
وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن أوروبا «تستحق مقعدًا على طاولة المفاوضات» بشأن الصراع الأوكراني، مؤكدًا أن القارة لا يمكن أن تبقى خارج النقاش عندما يتعلق الأمر بأمنها وازدهارها ومستقبل بنيتها الأمنية.
وجاءت تصريحات ماكرون عقب قمة غير رسمية للاتحاد الأوروبي في بلجيكا، في إشارة واضحة إلى محاولة باريس إعادة إحياء الدور الأوروبي في مسار التسوية المحتمل.
وشدد ماكرون، في خطابٍ بثه قصر الإليزيه، على أن لدى الأوروبيين «أسئلة جوهرية» يجب طرحها، معتبرًا أن أي مفاوضات لا تأخذ في الاعتبار المصالح الأمنية الأوروبية ستكون قاصرة، وداعيًا إلى إعداد موقف أوروبي موحد يتيح فتح نقاش مباشر مع روسيا «عندما يحين الوقت».
واقترحت بروكسل، الأسبوع الماضي، حزمة عقوبات جديدة تستهدف قطاعي الطاقة والمصارف، وتشمل حظر تقديم خدمات بحرية لناقلات النفط الروسية، في خطوة وصفتها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأنها ستقلص عائدات روسيا من الطاقة وتُصعّب إيجاد مشترين لنفطها.
ومع هذا التباين الأوروبي، تبرز تساؤلات حول مدى قدرة أوروبا على فرض نفسها طرفًا فاعلًا على طاولة المفاوضات.
ويرى مراقبون أن التحركات الفرنسية تعكس قلقًا أوروبيًّا أعمق من تهميش القارة في أي صفقة محتملة بين واشنطن وموسكو، خاصة في ظل مؤشرات على تغير المزاج السياسي الأمريكي تجاه الحرب.
وأكد خبراء أن أوروبا تحاول، مدفوعة بتبدّل الموقف الأمريكي وتراجع هامش الاعتماد على واشنطن، فرض نفسها طرفًا فاعلًا في مفاوضات الحرب الأوكرانية.
وأضافوا في تصريحات لـ»إرم نيوز» أن دعوات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للحصول على مقعد أوروبي على طاولة التفاوض تعكس إدراكًا متأخرًا لحجم المخاطر السياسية والاقتصادية التي ارتدَّت على القارة جراء استمرار الصراع.
وأكد ميرزاد حاجم، المحاضر في العلوم السياسية والباحث في مركز البحوث العلمية التطبيقية والاستشارية في موسكو، أن روسيا، رغم التصعيد السياسي والإعلامي والعقوبات الغربية المتلاحقة، لم تُغلق باب الدبلوماسية، بل حرصت على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، انطلاقًا من قناعة بأن الحلول السياسية تظل المسار الأكثر واقعية لإنهاء الأزمات الممتدة. وقال حاجم لـ»إرم نيوز» إن موسكو، منذ بداية الحرب الأوكرانية، تعاملت مع الملف بوصفه قضية أمنية وسياسية مركبة لا يمكن حسمها عسكريًّا فقط، وهو ما يفسر استمرارها في مخاطبة جميع الأطراف المعنية بحثًا عن تسوية تضمن استقرارًا طويل الأمد.
وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي يُعد أحد أبرز الداعمين لأوكرانيا؛ ما يجعله طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي مسار تفاوضي جاد، لافتًا إلى أن أوروبا ستكون، عاجلًا أم آجلًا، جزءًا أساسيًّا من أي ترتيبات سياسية قادمة.
وربط ذلك بتصريحات ماكرون الداعية إلى منح أوروبا مقعدًا على طاولة المفاوضات، معتبرًا أن هذه الدعوات تعكس إدراكًا أوروبيًّا متزايدًا بأن الحرب والعقوبات لم تحقق الأهداف المعلنة، بل خلّفت ارتدادات سياسية واقتصادية ثقيلة داخل القارة.
الخيار الأفضل
لضمان أمن أوروبا
وأضاف أن استمرار الصراع دون دور أوروبي فاعل في مسار السلام سيضع القيادات الأوروبية أمام تحديات داخلية متزايدة، خاصة مع تنامي الضغوط الشعبية وظهور حالة من المراجعة إزاء الدعم غير المشروط لكييف، في ظل قضايا فساد وتبدّل موازين القوى الميدانية.
وأكد الباحث أن موسكو تفتح أبوابها لكل من يسعى إلى السلام، لا إلى إطالة أمد الحرب، مشددًا على أن الحل السياسي الشامل لا يزال الخيار الأفضل لضمان أمن واستقرار المنطقة وأوروبا معًا.
من جانبه، اعتبر كارزان حميد، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، أن التحول الأمريكي السريع من دعم أوكرانيا عسكريًّا بشكل كامل منذ عام 2022 إلى الضغط من أجل تسويات قاسية مع موسكو، أدخل الاتحاد الأوروبي في حالة من الارتباك الإستراتيجي وأفقده وضوح الرؤية السياسية والدبلوماسية.
وأشار حميد إلى أن هذا التحول، خاصة في ظل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كشف هشاشة الموقف الأوروبي واعتماده المفرط على المظلة الأمريكية، إلى درجة باتت تهدد بفقدان الامتيازات والنفوذ اللذين تمتع بهما التكتل سابقًا.
إدراك أوروبي
متأخر لحجم الخسائر
وأكد حميد لـ»إرم نيوز» أن بروكسل، قبل اندلاع الحرب، اتبعت نهجًا خجولًا ومترددًا في التعامل مع الأزمات الدولية، اتسم في كثير من الأحيان بازدواجية المعايير، وهو ما انكشف بوضوح خلال السنوات الماضية وأصبح عبئًا حتى على الحليف الأمريكي نفسه.
وأوضح الخبير أن محاولات بعض القادة الأوروبيين إعادة الانخراط دبلوماسيًّا مع موسكو اصطدمت بانقسامات حادة داخل الاتحاد بين مؤيد ومعارض ومترقب؛ ما أفقد هذه المبادرات فاعليتها.
ولفت إلى أن طرح فكرة حصول أوروبا على مقعد دائم في المفاوضات، كما دعا إليها ماكرون ورئيسـة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، اكتسب زخمًا جديدًا، خاصة في ظل إدراك أوروبي متأخر لحجم الخسائر السياسية والاقتصادية التي تكبدتها القارة.
وحذَّر من أن الحديث عن «الأمن القومي الأوروبي» لا يزال غامض المعالم، ويختلف بين الخطاب العلني والممارسات الفعلية خلف الكواليس.
وختم حميد قائلًا: إن بروكسل لن تنجح في فرض نفسها طرفًا تفاوضيًّا حقيقيًّا ما لم تغيّر سياساتها جذريًّا وتتجه إلى حوار مباشر مع الكرملين بعيدًا عن الارتهان للموقف الأمريكي، وإلا ستجد نفسها مضطرة لإدارة أزمة لم تستعد لها في بيئة دولية شديدة الاضطراب.