استنزاف عسكري واقتصادي.. أوكرانيا تصعّد «حرب العمق» لإنهاك الداخل الروسي

استنزاف عسكري واقتصادي.. أوكرانيا تصعّد «حرب العمق» لإنهاك الداخل الروسي


قبل أن تتحول الحرب في أوكرانيا إلى سباق على خطوط الجبهة، تبدو اليوم وكأنها تدخل مرحلة جديدة عنوانها «حرب العمق». فالهجمات الأوكرانية بعيدة المدى لم تعد مجرد عمليات رمزية تستهدف منشآت داخل الأراضي الروسية، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية تهدف إلى استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية لموسكو، وإجبارها على إعادة توزيع مواردها الدفاعية بعيدًا عن ساحات القتال.
وخلال الأسابيع الأخيرة، كثفت كييف هجماتها باستخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى، مستهدفة منشآت حيوية على مسافات تصل إلى أكثر من ألف كيلومتر داخل روسيا، في تطور يعكس انتقال الحرب إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث باتت الجبهة الداخلية الروسية نفسها عرضة لضغوط متزايدة.

استراتيجية جديدة
 لضرب العمق الروسي
تشير التطورات الميدانية إلى أن أوكرانيا لم تعد تعتمد على استنزاف القوات الروسية على خطوط التماس فقط، وإنما تعمل على توسيع نطاق المعركة ليشمل البنية التحتية الاستراتيجية داخل روسيا، في محاولة لإضعاف قدرة موسكو على مواصلة حرب طويلة الأمد.
وخلال الأيام الأخيرة، استهدفت القوات الأوكرانية عددًا من المواقع الحيوية في مناطق كراسنودار وباشكورتوستان ونيجني نوفغورود وسانت بطرسبرغ، في سلسلة هجمات متتابعة تؤكد أن كييف أصبحت تمتلك قدرة أكبر على تنفيذ عمليات دقيقة في عمق الأراضي الروسية.
ولا تقتصر أهمية هذه الضربات على حجم الأضرار المباشرة، بل تكمن في الرسالة العسكرية التي تحملها؛ إذ تشير إلى أن المسافات التي كانت تمثل سابقًا عامل حماية للمنشآت الروسية لم تعد توفر مستوى الأمان نفسه.

موسكو بين الدفاع والهجوم
في المقابل، تواصل روسيا تصعيد هجماتها الجوية على المدن الأوكرانية، حيث شهدت كييف واحدة من أعنف موجات القصف خلال الأشهر الأخيرة، باستخدام عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة؛ ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار واسعة بالمباني السكنية.
ويرى محللون أن موسكو تحاول تعويض عجزها عن وقف الضربات الأوكرانية داخل أراضيها عبر تكثيف الضربات على المدن الأوكرانية، خاصة مع إدراكها تراجع مخزون كييف من صواريخ الدفاع الجوي المتطورة، وفي مقدمتها منظومات «باتريوت».
وتحذر أوكرانيا من أن استمرار هذا الوضع، دون تعزيزات غربية إضافية، قد يؤدي إلى تكرار الهجمات واسعة النطاق على المدن والبنية التحتية المدنية خلال الفترة المقبلة.

هل وصلت روسيا إلى حدود التكيف؟
منذ بداية الحرب، اعتاد الطرفان تطوير وسائل الهجوم والدفاع بوتيرة متسارعة، إلا أن الخبراء يرون أن أنظمة الضربات بعيدة المدى تختلف عن الطائرات المسيّرة التكتيكية المستخدمة قرب خطوط القتال.
فبينما تتغير تقنيات المسيّرات الصغيرة خلال أسابيع أو أشهر، يستغرق تطوير الصواريخ ومنظومات الاعتراض بعيدة المدى سنوات من البحث والتطوير والإنتاج؛ وهو ما يمنح أي طرف يحقق تقدمًا في هذا المجال أفضلية قد تستمر لفترة طويلة.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن أوكرانيا بدأت الإعداد لحملتها الحالية منذ عام 2023، وأن النتائج التي تظهر اليوم جاءت بعد سنوات من تطوير منظومات هجومية جديدة، بينها صواريخ كروز محلية الصنع وطائرات مسيّرة بعيدة المدى.
وفي المقابل، لا توجد مؤشرات واضحة على امتلاك روسيا أنظمة دفاعية جديدة قادرة على الحد بصورة فعالة من هذا النوع من الهجمات؛ وهو ما يثير تساؤلات بشأن قدرة موسكو على استعادة زمام المبادرة في حرب العمق.

ضغوط متزايدة على الاقتصاد الحربي
ورغم أن الضربات تستهدف منشآت حيوية، فإن تأثيرها يتجاوز الأضرار المادية المباشرة؛ إذ تمتد انعكاساتها إلى الاقتصاد الروسي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على استمرار عمل البنية الصناعية واللوجستية لدعم العمليات العسكرية.
وتشير عدد من الدراسات الغربية الحديثة إلى أن الاقتصاد الروسي يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع الإنفاق العسكري واستنزاف الاحتياطيات المالية، في وقت أصبحت فيه الإيرادات الخارجية تمثل عنصرًا حاسمًا في تمويل المجهود الحربي.
كما تؤكد هذه الدراسات أن قدرة موسكو على مواصلة الحرب أصبحت أكثر ارتباطًا باستقرار مواردها الاقتصادية؛ ما يجعل أي اضطراب في البنية التحتية الاستراتيجية عاملًا مؤثرًا في مسار الصراع على المدى الطويل.
في المقابل، يرى خبراء أن العقوبات الغربية لم تحقق حتى الآن التأثير الذي كانت تطمح إليه واشنطن وحلفاؤها، خاصة مع استمرار دول كبرى مثل الهند والصين في الحفاظ على علاقاتها التجارية مع روسيا.
وتشير بيانات حديثة إلى أن الهند رفعت وارداتها من الخام الروسي خلال الأشهر الأخيرة، رغم استمرار العقوبات الأمريكية، بينما واصلت الصين شراء كميات كبيرة من الإمدادات الروسية؛ وهو ما حدّ من قدرة العقوبات على خفض العائدات الروسية بصورة حاسمة.
ويعزز هذا الواقع الاعتقاد بأن الضغوط العسكرية المباشرة داخل الأراضي الروسية قد تصبح أكثر تأثيرًا من العقوبات الاقتصادية وحدها في تغيير ميزان الحرب.

خسائر متزايدة وفرصة لأوكرانيا
بالتوازي مع ذلك، تشير تقارير صادرة عن مراكز أبحاث غربية إلى أن القوات الروسية تكبدت خسائر بشرية ومادية كبيرة خلال الأشهر الماضية، في وقت لا تزال المكاسب الميدانية محدودة مقارنة بحجم الموارد التي تنفقها موسكو.
وترى هذه التقارير أن استمرار أوكرانيا في تطوير قدراتها بعيدة المدى، بالتزامن مع استمرار الدعم الغربي، قد يفرض على روسيا تحديات متزايدة خلال المرحلة المقبلة، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي.
تعكس التطورات الأخيرة تحولًا نوعيًا في طبيعة الحرب الروسية الأوكرانية؛ إذ لم يعد الصراع يقتصر على السيطرة على المدن والقرى أو تحقيق مكاسب ميدانية محدودة، بل بات يعتمد بصورة متزايدة على القدرة على ضرب العمق الاستراتيجي للطرف الآخر وتعطيل قدراته على مواصلة القتال.
وفي ظل غياب مؤشرات على امتلاك روسيا حلًا سريعًا لوقف هذه الهجمات، واستمرار أوكرانيا في توسيع نطاق عملياتها بعيدة المدى، تبدو الحرب مرشحة لدخول مرحلة جديدة يصبح فيها الصراع على استنزاف الموارد والقدرات الاستراتيجية أكثر أهمية من التقدم على خطوط الجبهة، وهو ما قد يعيد رسم موازين القوة بين الطرفين خلال الأشهر المقبلة.