الحسم بالمسيرات.. كوستيانتينيفكا تُشعل حرب «السرديات» بين موسكو وكييف

الحسم بالمسيرات.. كوستيانتينيفكا تُشعل حرب «السرديات» بين موسكو وكييف


تتضارب السرديات حول المعارك القائمة بين موسكو وكييف، على جبهة مدينة كوستيانتينيفكا ذات الأهمية الاستراتيجية في شرق أوكرانيا، وسط واقع تتجسد فيه شراسة المواجهة الدائرة، لا سيما أنها مفتاح لمدينتين كبيرتين، وسط ما تفرضه الجغرافيا، من تبدل آليات الحرب، لتكون الطائرات المسيرة، عنصرا فاعلا ومؤثرا، مما فرض تكتيكات قتالية جديدة. 
وتلعب طبيعة كوستيانتينيفكا، دورا مهما في سير العمليات العسكرية، إذ تقع في منطقة ذات تضاريس متنوعة، تضم مرتفعات ومناطق سهلية وحقولًا مفتوحة، الأمر الذي يجعلها ساحة معارك معقدة تتداخل فيها عوامل الجغرافيا مع التكتيكات العسكرية، وحجر الزاوية الأخير لكراماتورسك وسلوفيانسك. 
وفي الوقت الذي أقر فيه الجيش الأوكراني، بصعوبة الوضع الميداني في مدينة كوستيانتينيفكا شرقي البلاد، نفى سقوطها في يد القوات الروسية، على عكس ما أعلنت موسكو مساء الجمعة.
وقال المتحدث باسم الجيش الأوكراني أندري كوفاليوف يوم السبت: «يواصل المدافعون الأوكرانيون التمسك بمواقعهم على امتداد الخطوط الدفاعية المحددة. يبقى الوضع صعبًا لكن تحت سيطرة قوات الدفاع الأوكرانية».  وبالتزامن مع ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، باستمرار سيطرة بلاده على المدينة، مما يدحض رواية موسكو، أظهرت مشاهد تلفزيونية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالبزة العسكرية مع هيئة أركانه، وهو يوجه الشكر لجنود بلاده على ما وصفه بسيطرة تكتسي «أهمية استراتيجية كبرى».  
ويؤكد الدبلوماسي الأوكراني السابق، فولوديمير شوماكوف، أن روسيا تحاول السيطرة على كوستيانتينيفكا منذ نحو عام، «ومن المرجح أن تحقق السيطرة عليها في نهاية المطاف»، مشيرا إلى أن أولوية الحفاظ على المدينة في الوقت الحالي لكييف، تكمن في الحفاظ على أرواح الجنود، والفاعلية القتالية للجيش الأوكراني.
وأوضح شوماكوف لـ»إرم نيوز» أن أي تقدم تحققه القوات الروسية يترافق معه خسائر بشرية يومية كبيرة، تقدر بحسب الرواية الأوكرانية، بمئات الجنود بين قتلى وجرحى، مما يجعل كلفة التقدم العسكري لموسكو باهظة.
وتعود الأهمية العسكرية والاستراتيجية لمدينة كوستيانتينيفكا وفق شوماكوف، باعتبارها بوابة نحو مدينتين كبيرتين في شرق أوكرانيا، ويفتح سقوطها الطريق أمام القوات الروسية للتقدم نحوهما، مما يفسر شراسة المعارك الدائرة حولها وتمسك الطرفين بها.
وأشار شوماكوف إلى أن أوكرانيا تراهن اليوم على مواصلة الصمود في هذه الجبهة، لاسيما أن الطائرات المسيرة التي غيرت طبيعة الحرب، أصبحت العامل الحاسم في المعارك، مما جعل موسكو لا تعتمد على الدبابات والمدرعات كما كان الحال في المراحل الأولى من الصراع، بسبب تعرضها للاستهداف المستمر، مما فرض تكتيكات قتالية جديدة على الطرفين.
ولا يعتمد الوقوف على حقيقة ما يجري في الميدان، وسط هذا الضجيج السردي والتغير السريع، على دوائر التحليل على البيانات الرسمية للطرفين، بقدر مراقبة «المؤشرات الصامتة».
فيما يقول الخبير في مركز البحوث العلمية والاستشارات التطبيقية في روسيا، الدكتور ميرزاد حاجم، إن الأهمية الاستراتيجية لمدينة كوستيانتينيفكا لا تكمن في قيمتها الجغرافية البحتة، بل في كونها «العمود الفقري اللوجستي» وحجر الزاوية الأخير الذي يسبق التجمع الحضري الأكبر المتمثل في كراماتورسك وسلوفيانسك. 
وأضاف حاجم لـ»إرم نيوز» أن السيطرة على المدينة عسكريا، يعني تفكيك «عقل» المنظومة الدفاعية الأوكرانية في إقليم دونباس، ونقل مسار المعركة بشكل حاسم من حرب استنزاف خندقية معقدة إلى مناورة عملياتية مفتوحة للقوات الروسية. واعتبر التناقض الحاد في الروايات بين موسكو وكييف في ذات الوقت، نتاج صدام مباشر بين «الواقع العملياتي» الروسي و»الضرورة السياسية» الأوكرانية. وأضاف أنه، في العقيدة العسكرية الروسية تعتبر المدينة ساقطة فعليا، بمجرد تدمير هيكل القيادة والسيطرة للخصم وشل قدرته على المناورة والإمداد، حتى وإن بقيت هناك جيوب معزولة تقاتل بين الأنقاض.  وفي المقابل، تستثمر كييف في هذه الجيوب المشتتة والمحاصرة لصناعة سردية «الصمود» بحسب حاجم، الموجهة بالأساس للاستهلاك الخارجي، لضمان عدم انقطاع شريان التمويل والتسليح الغربي، ومحاولة إثبات أن الاستثمارات العسكرية في أوكرانيا لم تذهب سدى.  وأضاف أن موسكو تتابع انتقال قوس الرماية المدفعية الروسية الثقيلة إلى ما بعد المدينة لتأمين خطوط التقدم، مع رصد انسحاب مراكز التوجيه اللاسلكي والقيادة الميدانية الأوكرانية إلى الخطوط الخلفية». وبيّن أن السقوط اللوجستي يخلق ارتدادات عميقة على مسارين متوازيين، على الصعيد الميداني، الأمر الذي يولد ما يمكن تسميته بـ»تأثير الدومينو»، حيث تفقد الجبهة الأوكرانية ترابطها العضوي، وتتشظى إلى قطاعات دفاعية معزولة تعجز عن إسناد بعضها البعض.  ولفت إلى أن هذا الانهيار البنيوي يضع المحور الغربي، على المستوى الاستراتيجي، أمام معضلة حقيقية وحالة متقدمة من «الإرهاق الاستراتيجي»، مما يجعل الخيارات تضيق بشدة بين الانزلاق نحو تصعيد مباشر تخشاه عواصم غربية، أو إدراك حقيقة أن ضخ المزيد من السلاح في منظومة فقدت هيكلها اللوجستي وقدرتها على المناورة ليس سوى استثمار خاسر.