باتفاقها مع كندا.. هل تنهي الصين «لعبة مقايضة» ترامب حول تايوان؟

باتفاقها مع كندا.. هل تنهي الصين «لعبة مقايضة» ترامب حول تايوان؟


يحمل الاتفاق التجاري المنتظر بين بكين وأوتاوا، فصلًا صعبًا من الخسائر الإستراتيجية لواشنطن، لا يتعلق فقط بتآكل قدرتها على احتكار الفضاء الاقتصادي لحلفائها أو أدوات الردع التجارية، ولكن الخروج من «لعبة المقايضة» التي تتبعها الولايات المتحدة مع الصين حول تايوان.
المخاوف العريضة من مثل هذا الاتفاق القائم كرد فعل على جانب من سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تبدد التحالفات التاريخية الإستراتيجية لواشنطن، ليست اقتصادية وتجارية فقط ولكنها تمس الأمن القومي، إذ قد ينتج عنها مع الوقت، إنشاء الصين قواعد عسكرية أو مراكز تجسس على الولايات المتحدة من شمالها. ووسط هذه المخاوف، يرى مراقبون أن قدرة واشنطن على فرض انكماش كامل على الدور الصيني في أمريكا الشمالية محدود ولاسيما أن الاقتصاد الكندي كغيره من الاقتصادات المتقدمة، يعتمد على تنويع الأسواق. وهدد ترامب مؤخرًا، بأن بلاده سترد بشكل قوي إذا مضت كندا قُدمًا في الاتفاقية التجارية التي تفاوضت عليها مع الصين، مضيفًا «إذا أبرموا اتفاقًا مع الصين، فسنرد بشكل قوي للغاية. لا نريد أن تستولي الصين على كندا. وإذا أبرموا الاتفاق الذي يسعون إليه، فستستولي الصين على كندا». 

تايوان تدخل في اللعبة
ويقول قيادي بالحزب الجمهوري، إن سياسات ترامب لم تشرخ مؤسسية القرار بانعكاس الانفراد به، بل وصلت بوضع الصين على طريق سريع ممهد لمحاصرة الولايات المتحدة من الشمال والجنوب، وستؤدي لكسر الحضور الإستراتيجي حول تايوان تدريجيًّا.
وأضاف القيادي الجمهوري لـ»إرم نيوز»، أن ما تفعله بكين من سياسات، مهَّد ترامب الطريق لها، وغرضها تنازلات واشنطن عن حضورها ونفوذها في محيط تايوان، في ظل ما تسير فيه بكين، من حصار يجهز في كندا ويحكم في الكاريبي.

 تفاوض «الورقة الوحيدة»
وأفاد بأن الصين لا تفرض دائرتها من حيث حرب الاقتصاد والتكنولوجيا ولكن النفوذ الإستراتيجي، وتُجهِّز في هذا الصدد، لتفاوضٍ قائمٍ على «الورقة الوحيدة»، بخروج الولايات المتحدة من بحر الصين، ومع استمرار خسارة واشنطن للحلفاء، سيكون الضغط أعلى ومحكما. وتابع القيادي الجمهوري أن «الصين تحاصر بذلك الولايات المتحدة من الشمال والجنوب وهذا بسبب سياسات ترامب بفقدان الحلفاء الذين كانوا يواجهون مع واشنطن مخططات بكين التي اخترقت المحاذير الأمريكية فيما يخص أمنها القومي والإستراتيجي.
واستطرد في هذا الصدد، أن ترامب يفكك التحالفات ولا سيما مع كندا التي لها بعد أمني في وقت تستغل فيه الصين ذلك ضمن لعبة المقايضات التي فرضها في الأساس الرئيس الجمهوري، لتقوم بإخراج تايوان من هذه الدائرة.

تبديد رسوم
 ترامب الجمركية
وتحضر بشدة قائمة من المخاوف الأمريكية، منذ زيارة رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني إلى بكين؛ ما جعل ترامب يهدد بفرض رسوم جمركية على أوتاوا تصل 100% حال توقيع اتفاق تجاري مع بكين.
في صدارة هذه المخاوف بحسب خبراء لـ»إرم نيوز»، أن يؤدي هذا الاتفاق إلى إدخال الصين بضائعها التي تخضع لتعريفات أمريكية إلى بلاده الولايات المتحدة عبر كندا، وهو ما يبدد مشروع رسومه الجمركية على بكين. وبحسب خبراء فإن ما يقلق واشنطن، ليس حجم الاتفاق الكندي-الصيني بحد ذاته، بل دلالته السياسية في ظل خشية ترامب من «التطبيع التدريجي» بوجود بكين داخل سلاسل الإمداد بأمريكا الشمالية، في بيئة تنافس القوى الكبرى.
وترى الباحثة في الشؤون الصينية والآسيوية، الدكتورة تمارا برو، أن ترامب يسعى لردع الصين في مختلف مناطق العالم كما يجرى في إيران وأمريكا اللاتينية وصولًا إلى القارة الشمالية حيث أثارت الزيارة التي قام بها رئيس وزراء كندا إلى بكين، استفزاز الرئيس الجمهوري.

الولاية 51
وأفادت برو في تصريحات لـ»إرم نيوز»، بأن الزيارة من أجل تنويع شركاء بلاده حتى لا تبقى أوتاوا تعتمد على طرف اقتصادي واحد وهو واشنطن التي تفرض الرسوم الجمركية عليها وتمارس ضغوطًا، وسط اعتبار ترامب أن كندا الولاية الـ51.
وأوضحت برو أن الزيارة جعلت ترامب يهدد بفرض رسوم جمركية على كندا تصل 100% حال توقيع اتفاق تجاري مع بكين، في ظل مخاوفه من أن يؤدي ذلك إلى إدخال الصين بضائعها التي تخضع لتعريفات أمريكية إلى بلاده عبر دولة ثالثة وهي كندا.

قواعد صينية 
وتجسس على الحدود
 وأشارت إلى أن ترامب لديه قلق من أن تكون بكين من خلال العلاقة الجديدة مع كندا قريبة على حدود بلاده وأن تقوم الصين بإنشاء قواعد عسكرية أو التجسس عليها من شمالها، علمًا أن كارني حاول تهدئة ترامب بأن الاتفاق التجاري مع الصين ليس تجارة حرة.
وتابعت برو أن كارني أكد لترامب أن اتفاقه مع الصين غرضه تخفيف التوترات مع أوتاوا في ظل فرض الأخيرة رسومًا جمركية 100% على السيارات الكهربائية بالمقابل قامت الصين بخطوة مماثلة على المنتوجات البحرية والزراعية الكندية.
 70 % من صادرات
 كندا إلى أمريكا
واستكملت أن تخفيف أوتاوا التوترات مع بكين وتعزيز العلاقات معها، من شأنه تقليل اعتماد الأخيرة على الولايات المتحدة وهذا ما لا يريده ترامب الذي يرغب في أن تبقى كندا معتمدة على بلاده وخاضعة لها، للاستفادة من المعادن النادرة والنفط والغاز ومواردها الطبيعية.
ولفتت برو إلى أن كارني في ظل ضغوط ترامب لن يعزز علاقاته مع الصين فقط ولكن مع مختلف دول العالم، ولكن دون استفزاز واشنطن ولا سيما أن أكثر من 70% من الصادرات الكندية تذهب للولايات المتحدة ولذلك لن يجد سوقًا بديلًا؛ ما يلحق الخسائر ببلاده.
وترجح برو محاولة إبقاء رئيس وزراء كندا، التوازن في علاقاته بين واشنطن وبكين وأن يتحمل في الوقت نفسه ضغوط ترامب عليه والذي يناديه بـ»الحاكم كارني» في إشارة إلى المصطلح الذي يستخدمه كثيرًا بأن كندا ولاية أمريكية.

التفاوض بالمساس بالسيادة
فيما يؤكد الباحث الإستراتيجي، هشام معتضد، أن ‎هذا التصعيد لا يمكن قراءته كخلاف تجاري عابر، بل كتحول في طبيعة العلاقة الأمريكية الكندية من شراكة مؤسساتية مستقرة إلى علاقة تُدار بلغة القوة الرمزية والاقتصادية. 
ويرى معتضد في تصريحات لـ»إرم نيوز»، أن استخدام ترامب لمفردات تمس السيادة الكندية ليس انفعالًا لغويًّا، بل أسلوب تفاوضي يهدف إلى إعادة تعريف موقع كندا داخل المنظومة القارية باعتبارها امتدادًا إستراتيجيًّا للفضاء الاقتصادي الأمريكي.

لا حيادَ 
اقتصادياً مع بكين
‎ووفقًا لمعتضد، فإن ما يقلق واشنطن، ليس حجم الاتفاق الكندي-الصيني بحد ذاته، بل دلالته السياسية في ظل خشية ترامب من «التطبيع التدريجي» بوجود بكين داخل سلاسل الإمداد بأمريكا الشمالية، في بيئة تنافس القوى الكبرى، ورسالة من البيت الأبيض:»لا حياد اقتصاديًّا مع بكين».
‎واستطرد أن خطاب ترامب يعكس عقيدة ناشئة في السياسة الأمريكية تعتبر أن التحالفات لم تعد تعني حرية المناورة، والشركاء مطالبون بالاصطفاف لا التوازن؛ ما يضع كندا في وضع فريد، لكونها دولة متوسطة القوة، مندمجة بعمق في الاقتصاد الأمريكي، لكنها تسعى لتوسيع هوامشها عالميًّا.
وأوضح معتضد أن قدرة واشنطن على فرض انكماش كامل للدور الصيني في أمريكا الشمالية محدود ولا ســــــيما أن الاقتصاد الكندي كغيره من الاقتصادات المتقدمــــة، يعتمد على تنويع الأسواق، والضغط المفرط قد يدفع أوتاوا إلى إعادة صياغة علاقاتهــــــا بحذر أكبر، لكنه لن يلغي حاجتها إلى التعامل مع الصين.
‎ونبه معتضد إلى أن الإفراط في استخدام واشنطن التهديدات الجمركية ضد أقرب الحلفاء قد يضعف البنية السياسية للتحالف الغربي، ولا سيما أن كندا ليست خصمًا إستراتيجيًّا، وتحويل العلاقة إلى ساحة إكراه اقتصادي يخلق احتكاكًا طويل الأمد داخل مجتمع سياسي يفترض أنه متكامل.

ضبط الحلفاء والخصوم
ويعتقد معتضد أن هذا المشهد يعكس لحظة انتقالية في النظام الدولي، حيث تحاول الولايات المتحدة إدارة التنافس مع الصين عبر ضبط حلفائها بقدر ضبط خصومها، وهذا قد يبطئ التمدد الصيني في أمريكا الشمالية، لكنه لن يوقفه بالكامل.
وأرجع معتضد ذلك نظرًا لأن العولمة أعادت توزيع الاعتماد المتبادل بطريقة لم تعد تسمح بحدود اقتصادية صلبة حتى داخل التحالفات التاريخية.