بعد قمة بريكس 2026‏

بعد قمة بريكس 2026‏

اختتمت قمة بريكس الثامنة عشرة في نيودلهي تحت شعار ‏‎"‎بناء المرونة والابتكار والتعاون والاستدامة"‎ . ‎لكن السؤال ‏الأهم بعد القمة ليس مقدار حضور كلمة «الاستدامة» في الخطاب السياسي، بل: إلى أي مدى تستطيع بريكس تحويلها ‏إلى نموذج تنموي يعكس احتياجات وأولويات الجنوب العالمي؟ ‏
تكشف قراءة إعلان نيودلهي عن توجه لربط تغير المناخ بقضايا أوسع تشمل التنمية والديون والطاقة والمياه ‏والتمويل والتكنولوجيا والمرونة. وهو تحول مهم؛ لأن مستقبل التنمية لم يعد يُقاس بالنمو الاقتصادي وحده، بل ‏بقدرة الاقتصادات والمجتمعات على النمو والتكيف والصمود في آن واحد‎.‎

المناخ من منظور العدالة
جددت دول بريكس التزامها باتفاق باريس، مؤكدة التخفيف والتكيف والخسائر والأضرار، إلى جانب مبدأ الإنصاف ‏و«المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة والقدرات المتفاوتة». كما أشار الإعلان إلى أن أعباء الديون المرتفعة تحد من ‏قدرة دول نامية كثيرة على الاستثمار في المناخ والتنمية‎. ‎
وهنا يظهر أحد أكبر اختبارات الاستدامة‎: ‎من سيمول التحول، وبأي شروط؟ فالدول النامية تحتاج إلى استثمارات ‏ضخمة في التكيف والطاقة النظيفة والمياه والزراعة والبنية التحتية المرنة، دون أن يتحول التمويل المناخي إلى عبء ‏إضافي على مديونيتها‎.‎
ملف الطاقة أكثر تعقيداً؛ فإعلان نيودلهي يؤكد أهمية أمن الطاقة، وفي الوقت نفسه يدعو إلى انتقالات عادلة ‏ومنظمة ومنصفة وشاملة وخفض الانبعاثات وفق الظروف والأولويات الوطنية. كما يربط الاستدامة بسلاسل الإمداد ‏والمعادن الحرجة والهيدروجين منخفض الانبعاثات والتعاون التكنولوجي‎. ‎
ولا تتوقف المرونة عند الطاقة. فالمياه والأراضي والتنوع البيولوجي والنظم الغذائية تمثل رأس مال طبيعي تعتمد عليه ‏الاقتصادات والمجتمعات، وهي قضايا تكتسب أهمية مضاعفة في المنطقة العربية حيث تتقاطع ندرة المياه وارتفاع ‏الحرارة والتصحر والضغوط على الأمن الغذائي‎.‎
تنفيذ هذه الأجندة لن يكون مسؤولية الحكومات وحدها؛ فالقطاع الخاص والمؤسسات المالية والجامعات والمجتمع ‏المدني شركاء في تحويل الالتزامات إلى نتائج‎.‎
وهنا ينبغي أن تتطور المسؤولية المجتمعية للشركات من مبادرات منفصلة إلى اقتصاد للأثر تصبح فيه القيمة ‏الاجتماعية والبيئية جزءاً من الاستثمار والتمويل والإنتاج وسلاسل الإمداد. والسؤال لن يكون فقط: ماذا قدمت ‏المؤسسة للمجتمع؟ بل‎: ‎ما الأثر الذي أحدثه نموذج أعمالها في الإنسان والاقتصاد والبيئة؟
لقد وضعت نيودلهي الاستدامة والمرونة في صلب أجندة بريكس، لكن القيمة الحقيقية لهذه الرؤية ستتحدد بقدرتها ‏على الانتقال من الإعلان إلى التمويل، ومن التمويل إلى التنفيذ، ومن التنفيذ إلى أثر قابل للقياس‎.‎
لذلك، فإن السؤال الأهم بعد قمة 2026 ليس‎: ‎كم أصبحت بريكس أقوى؟
بل‎: ‎كيف ستترجم قوتها الاقتصادية والسياسية المتنامية إلى تنمية أكثر عدالة ومرونة واستدامة؟
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لما بعد نيودلهي‎.‎