بين «مايكل» و«أم كلثوم»… كيف تصنع السينما الأسطورة؟
عندما تتناول السينما حياة شخصية استثنائية بحجم مايكل جاكسون أو أم كلثوم، فإنها لا تقدم مجرد قصة حياة، بل تعيد تشكيل صورة راسخة في ذاكرة الجمهور. وهنا تظهر المفارقة بين تجربتي فيلم «مايكل» وفيلم «أم كلثوم».
فيلم «مايكل» انطلق من فكرة الحفاظ على الأسطورة وإعادة تقديمها لجيل جديد. فصناع العمل أدركوا أن ملايين الشباب لم يعيشوا عصر مايكل جاكسون، ولذلك جاء الفيلم ليعيد إحياء العلامة الفنية التي صنعها الرجل، وليذكر العالم بسبب استحقاقه لقب “ملك البوب”. لم يكن الهدف هدم الصورة الذهنية، بل ترميمها وتعزيزها وإعادة ربطها بالجمهور المعاصر ولهذا زاد عدد المستمعين لأغاني مايكل الملايين خاصة بعد عرض الفيلم في دور السينما.
أما فيلم «أم كلثوم»، فقد اتجه إلى زاوية مختلفة. فبدلاً من التركيز على الأسطورة الفنية التي صنعتها كوكب الشرق، حاول الاقتراب من الإنسان خلف النجومية، بما يحمله من تعقيدات وصراعات وتفاصيل شخصية. ورغم القيمة الفنية لهذا التوجه، فإن كثيراً من الجمهور العربي كان ينتظر عملاً يحتفي بالرمز أكثر من اهتمامه بتفكيك الشخصية، وهو ما خلق جدلاً واسعاً حول الفيلم.
حتى في اختيار بطل العمل، يبدو الفارق واضحاً بين التجربتين. ففي فيلم «مايكل» وقع الاختيار على جعفر جاكسون، ابن شقيق مايكل جاكسون، رغم أنها تجربته التمثيلية الأولى، وذلك بهدف الوصول إلى أقصى درجة ممكنة من التشابه الجسدي والحركي والروحي مع الشخصية الأصلية، وإقناع الجمهور بأنه يشاهد مايكل نفسه لا ممثلاً يؤدي دوره.
أما في فيلم «أم كلثوم»، فقد أُسند الدور إلى منى زكي، وهي بلا شك ممثلة موهوبة وصاحبة تاريخ فني مميز، إلا أن السؤال الذي طرحه كثير من المتابعين كان: هل كانت منى زكي الخيار الأقرب لتجسيد شخصية أم كلثوم؟ فالقضية هنا لا تتعلق بالقدرة التمثيلية بقدر ما تتعلق بمدى التطابق مع شخصية استثنائية رسخت ملامحها وحضورها في وجدان الجمهور العربي لعقود طويلة.
ومن هنا يظهر اختلاف الرؤية بين العملين؛ فصُنّاع «مايكل» سعوا إلى تقليل المسافة بين الممثل والشخصية الحقيقية إلى أدنى حد ممكن، بينما اعتمد فيلم «أم كلثوم» على ممثلة كبيرة تؤدي الشخصية برؤيتها الفنية، وهو خيار مشروع فنياً، لكنه لم يحقق لدى كثير من المشاهدين الإحساس الكامل بأنهم أمام أم كلثوم ذاتها، وهنا يكمن الفرق الجوهري بين التجربتين؛ ففيلم «مايكل» تعامل مع السيرة الذاتية باعتبارها فرصة لإحياء الإرث الفني، بينما تعامل فيلم «أم كلثوم» معها باعتبارها محاولة لفهم الإنسان وراء الأسطورة. الأول سعى إلى تعزيز الذاكرة الجماعية، والثاني حاول مساءلتها وإعادة قراءتها.
الدرس الذي تقدمه التجربتان أن الجمهور لا يذهب إلى أفلام الأساطير بحثاً عن المعلومات فقط، بل بحثاً عن الشعور ذاته الذي صنع تلك الأسطورة. لذلك غالباً ما تنجح الأعمال التي توازن بين الحقيقة التاريخية والاحتفاء بالمنجز الفني، فلا تتحول إلى تمجيد أعمى ولا إلى محاكمة متأخرة.
ولعل نجاح أي فيلم سيرة ذاتية لا يقاس بكمية الحقائق التي يكشفها، بل بقدرته على الإجابة عن سؤال واحد: هل خرج المشاهد وهو يفهم لماذا أصبحت هذه الشخصية أسطورة؟ فإذا كان الجواب نعم، فقد نجح الفيلم في أداء رسالته. وهذا ما يراه كثيرون في تجربة «مايكل»، بينما ظل الجدل قائماً حول ما إذا كانت تجربة «أم كلثوم» قد حققت ذلك بالقدر نفسه