رئيس الدولة يبدأ اليوم زيارة إلى الهند ويبحث مع مودي علاقات التعاون
بين صدام ومادورو.. هل تتحول فنزويلا إلى مستنقع جديد لواشنطن؟
قالت ميغان أوسوليفان، مديرة مركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية في كلية كينيدي في جامعة هارفارد، إن فنزويلا ليست العراق، لكن التاريخ، كما يبدو، يميل إلى تكرار نفسه بأشكال مختلفة.
وأضافت أوسوليفان، شغلت منصب نائبة مستشار الأمن القومي لشؤون العراق وأفغانستان بين عامي 2005 و2007، إن إرث الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن ارتبط على نحوٍ وثيق بمصير العراق، فيما بات إرث الرئيس دونالد ترامب اليوم مرتبطاً، ولو جزئياً، بما ستؤول إليه التطورات في فنزويلا بعد الإطاحة بنيكولاس مادورو.
وتابعت الكاتبة التي تعد من أبرز الخبراء الأمريكيين في قضايا الأمن والتحول السياسي، في تحليل مطول بموقع مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية أن الفارق الكبير بين التجربتين لا يمنع تشابه الأخطاء الكامنة في طريقة التفكير الأمريكية.
عملية بلا إجماع
ولا استعداد
وأوضحت الكاتبة أن غزو العراق عام 2003 جرى بقوة عسكرية تجاوزت 150 ألف جندي أمريكي، واستند إلى قرارات أممية وتحالف دولي وتفويض من الكونغرس، في حين أن عملية «العزم المطلق» التي أخرجت مادورو من السلطة كانت مفاجئة للجميع، بما في ذلك الكونغرس الأمريكي نفسه، ونُفذت خلال ساعات وبمشاركة نحو 200 أمريكي فقط. وتابعت الكاتبة أن هذا الفارق في الحجم لا يلغي التشابه الأخطر: الاعتقاد بأن إسقاط الديكتاتور كفيل وحده بإطلاق مسار الاستقرار.
دروس العراق
وقالت أوسليفان، مستندة إلى خبرتها الشخصية التي امتدت قرابة عامين في العراق بعد سقوط صدام حسين، إن مشاهد فنزويلا اليوم تستحضر بدايات الفوضى العراقية. وأضافت أن واشنطن افترضت آنذاك، كما تفعل اليوم، أن مؤسسات الدولة، ولا سيما الأمنية، ستواصل عملها تلقائياً بعد سقوط رأس النظام.
وأوضحت أن الولايات المتحدة راهنت أيضاً على أن نجاحاً عسكرياً سريعاً سيُرهب الخصوم ويُرضي الحلفاء، من دون الحاجة إلى جهد سياسي وأمني طويل الأمد، وهو رهان ثبت فشله لاحقاً.
الحلقة المفقودة
وأضافت الكاتبة أن التجربة العراقية أظهرت بوضوح أن غياب التخطيط لمرحلة ما بعد إسقاط النظام بعث رسالة ضعف، لا قوة، إلى العالم. فرغم أن خصوم واشنطن ارتدعوا مؤقتاً فإيران جمّدت برنامجها النووي، وليبيا تخلت عن طموحاتها النووية، وسوريا انسحبت من لبنان، لكن الأخطاء اللاحقة صنعت سردية فشل، شجعت الخصوم وأربكت السياسة الأمريكية عالمياً.
5 دروس لفنزويلا
وتابعت الكاتبة أن أمام إدارة ترامب فرصة لتجنب هذا المصير عبر استيعاب 5 دروس أساسية من العراق: أولاً، عدم افتراض بقاء النظام متماسكاً بعد إزاحة قائده، والاستعداد لفرض القانون والنظام.
ثانياً، الاستعداد لمواجهة سردية «النفط أولاً» التي تقوّض الثقة الشعبية.
ثالثاً، إدراك أن دعم التحول الديمقراطي ضرورة للاستقرار لا ترفاً أخلاقياً.
رابعاً، تخصيص الموارد اللازمة لإنجاح الانتقال السياسي.
خامساً، عدم التعويل على القوة الأمريكية وحدها من دون دعم إقليمي ودولي.
فراغ السلطة وقود الفوضى
وأوضحت الكاتبة أن كثيراً من الفنزويليين، كما العراقيين سابقاً، رحبوا بسقوط الديكتاتور، لكن هذا الشعور سرعان ما تآكل مع انتشار الفوضى.
وأضافت أن مؤسسات فنزويلا جرى تفريغها من مضمونها خلال أكثر من ربع قرن من الحكم البوليفاري، فضلاً عن آثار العقوبات والتضخم المفرط واتساع رقعة الفقر. وتابعت أوسوليفان أن الجيش الفنزويلي، المرتبط بشبكات تهريب النفط والمخدرات، قد لا يكون قادراً أو راغباً في حفظ النظام إذا انقطعت مصادر تمويله، ما يجعل احتمالات الانفلات الأمني واقعية لا افتراضية.
مهمة شبه مستحيلة
وقالت الكاتبة إن الاستشهاد بتجربة عدم تفكيك المؤسسات في العراق صحيح من حيث المبدأ، لكنه بالغ الصعوبة في التطبيق.
وأضافت أن سياسة اجتثاث البعث أظهرت مدى تعقيد التمييز بين المتورطين في الجرائم ومن كانوا جزءاً من جهاز الدولة بحكم الأمر الواقع.
وأوضحت أن الغضب الشعبي ورغبة الانتقام تجعل الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة تحدياً سياسياً وأخلاقياً في آن واحد.
انهيار الثقة
وسردية النفط
وتابعت الكاتبة أن الفشل الأمريكي في ضبط الأمن في العراق شكّل أول شرخ في صورة القوة التي لا تُقهر. وأضافت أن العراقيين تساءلوا سريعاً عن دوافع واشنطن، لتسود رواية مفادها أن الهدف الحقيقي هو النفط، رغم أن الولايات المتحدة لم تسيطر فعلياً على الحقول النفطية.
وأوضحت أن تركيز إدارة ترامب العلني على نفط فنزويلا قد يلقى صدى داخلياً أمريكياً، لكنه سيقوّض الثقة لدى الفنزويليين ما لم يُقترن بخطاب وممارسة تدعمان الحكم الرشيد.
الديمقراطية من
أجل الاستقرار
وأضافت الكاتبة أن السعي إلى بناء نظام تمثيلي في العراق لم يكن مدفوعاً بالأيديولوجيا فقط، بل بالحاجة العملية إلى إدارة دولة منقسمة وغنية بالموارد. وتابعت أن من دون نظام سياسي جامع، يصبح العنف حتمياً.
وأوضحت أوسليفان أن فنزويلا تملك ميزة لم تتوافر في العراق: معارضة منظمة تحظى بدعم شعبي ودولي، ما يتيح انتقالاً سياسياً أقل كلفة إذا ما أُحسن استثماره.
وأكدت الكاتبة أن افتراض تمويل الانتقال السياسي من عائدات النفط تكرار لخطأ كارثي ارتُكب في العراق. وأضافت أن إصلاح البنية التحتية ورفع الإنتاج النفطي يحتاجان سنوات طويلة واستثمارات ضخمة، وليس حلولاً سحرية.
وتابعت أوسوليفان أن تقديرات الخبراء تشير إلى أن رفع إنتاج فنزويلا النفطي بشكل جذري قد يستغرق عقداً كاملاً، حتى في أفضل الظروف.
وأوضحت الكاتبة أن إدارة ترامب تبدو واثقة من ذروة القوة الأمريكية، لكنها حذرت من تكرار خطأ إدارة بوش التي تجاهلت أهمية الشراكة الإقليمية والدولية. وأضافت أن غياب هذا الدعم أفسح المجال لإيران وروسيا والصين لتوسيع نفوذها.
وخلصت أوسوليفان إلى أن التاريخ لا يمنح القادة فرصاً غير محدودة لتعلّم الدروس، وأضافت أن أمام ترامب متسعاً من الوقت ليستفيد من تجربة العراق، حتى لا يضطر، كما فعل باراك أوباما بشأن ليبيا، إلى الاعتراف لاحقاً بأن الخطأ الأكبر كان عدم التخطيط لليوم التالي.