رئيس الدولة والرئيس التشادي يبحثان تعزيز علاقات التعاون وعددا من القضايا الإقليمية والدولية
تصفية «غايسا».. خارطة طريق لحوار كوبي-أمريكي يُبعد العقوبات عن هافانا
يرسم ذهاب «التكتل الاقتصادي-العسكري الكوبي» المعروف باسم «غايسا»، بالتخلي عن بعض أصوله وشركاته، تماشيا مع العقوبات الأمريكية المفروضة، مؤشرات حول توجه هافانا إلى تغيّر في سياسات نظامها الاقتصادي، ذي المرجعية الاشتراكية، والذي تسير عليه منذ منتصف القرن الماضي، وترفضه الولايات المتحدة.
ويملك «غايسا» الذي تسيطر عليه المؤسسة العسكرية ذات القبضة الحاكمة، شركات في مجالات مثل السياحة والموانئ والعقارات، في الوقت الذي اعتبر فيه مراقبون هذه الخطوة بأنها تفكيك حقيقي لدور الجيش في الاقتصاد الكوبي من جهة، بالإضافة إلى أنها تفتح الطريق لحوار بين واشنطن وهافانا قد يبعد العقوبات الأمريكية عن الأخيرة.
ويتوقع مراقبون أن يتْبع هذا النوع من الإصلاحات الاقتصادية، حال تنفيذه، أخرى سياسية قد تساهم في الذهاب بكوبا من بلد معزول معاقب إلى دولة من الممكن أن تكون منفتحة أكثر على الولايات المتحدة، في ظل الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيش فيها هافانا؛ بسبب العداء التاريخي مع واشنطن.
إعادة ضبط بنيوي
ويقول أستاذ التواصل السياسي في جامعة كادس إشبيلية الإسبانية والخبير في العلاقات الدولية، الدكتور محمد المودن، إن مسار تخلي «غايسا» عن بعض الأصول، يندرج ضمن إعادة ضبط بنيوي للاقتصاد الكوبي، في ظل نظام عقوبات أمريكية متصاعدة من واشنطن.
ويرتبط هذا التكتل الاقتصادي المرتبط بالجهاز العسكري في كوبا، باستثمارات استراتيجية مثل السياحة والخدمات المالية واللوجستية والتجارة بالعملات الصعبة، وتستهدف التدابير التقييدية الجديدة من الخارج، الحد من وصول هذا التكتل إلى الائتمان والاستثمار الأجنبي والأسواق الدولية، مما يرفع كلفة العمل على المؤسسة العسكرية.
وأوضح لـ»إرم نيوز»، أن كوبا تجمع عبر هذا الإجراء، بين الدفاع عن «غايسا» بوصفها أداة مشروعة لمواجهة الحصار الاقتصادي والشروع في إعادة تنظيم وتحديث البنية المؤسسية، لافتا إلى أن القيام ببيع بعض الأصول أو إعادة هيكلتها، بمثابة محاولة لإدارة المخاطر والحفاظ على قدرة القطاعات الرئيسة على الاستثمار، أكثر من كونه تخليًا صريحًا عن السيطرة العسكرية على الاقتصاد. وبيّن الدكتور المودن أن تفتيت الشركات القابضة ونقل الحصص إلى كيانات مدنية أو مختلطة من الناحية الشكلية والبحث عن شركاء جدد في دول ثالثة، آليات اعتيادية للتكييف في البنيات الخاضعة للعقوبات. وتسهم العقوبات من زاوية استراتيجية، وفق الدكتور المودن، في إعادة تشكيل البنية المالية والاقتصادية للبلاد، لكن أثرها على الفصل بين المجالين المدني والعسكري يبقى دائما ملتبسا، حيث تشجع على قدر من التميز الشكلي للفاعلين العسكريين، ومن جهة أخرى تؤدي إلى زيادة مستوى الغموض دون أن تغير بالضرورة المستفيدين. وأشار إلى أن تحرك «غايسا» يأتي مندرجا في انتقال داخلي ربما نحو نموذج أكثر مرونة وتجزئة تتوقف درجة انفتاحه الفعلية واستمراره على تطور الأزمة الاقتصادية وطبيعة الضغط الخارجي ونوعية الخيارات التي سيتخذها الفاعلون الداخليون في الأمد المتوسط. ويعتبر «غايسا» التكتل الاقتصادي الأكبر في كوبا، محط تركيز رئيس للعقوبات الأمريكية هناك، وتتهمه واشنطن بأنه واجهة تستخدمها النخبة الحاكمة، ويدار من قبل مسؤولين وقيادات عليا بالجيش، ويقدّر بأنه يتحكم في نصف الاقتصاد الكوبي بشكل مباشر ويسيطر على القطاعات الأكثر ربحية بالبلاد.
محاولة تجاوز ذرائع واشنطن
بدوره، أكد الباحث في الشأن اللاتيني، علي فرحات، أن العقوبات الأمريكية على كوبا، أثرت كثيرا في الاقتصاد الداخلي، وكل المؤسسات التي كانت في يد الجيش، تأثرت بمفعولها، ولا سيما أنها طالت أهم شريان وهو الطاقة؛ وبالتالي كافة الاستثمارات والشركات. وأرجع، لـ»إرم نيوز»، ذلك إلى أمرين: الأول العقوبات الأمريكية التي أضعفت هذه الشركات ونالت من الاقتصاد الكوبي، والاستمرار بالمنهجية السابقة، من الممكن أن يؤدي إلى مزيد من الهبوط الاقتصادي. أما الثاني أن كوبا تتجه للتحسينات والتغيرات بالداخل المحلي لاسترضائه؛ لأن المرحلة القادمة قد يشتد الخناق عليها مما يجعل القيادة تستهدف التفافا شعبيًّا حولها.
وتحاول إدارة الدولة بشقيها القيادي والعسكري، بحسب فرحات، القيام بإصلاحات جذرية بالداخل من أجل إزالة كل ذرائع واشنطن بشأن العقوبات، بالإضافة إلى فتح الاقتصاد أمام المجتمع الداخلي، مما يجعله أكثر فاعلية للمشاركة المدنية.
وقد تأتي التحسينات ضمن ما طلبه أصدقاء كوبا، ولا سيما البرازيل، بهدف الخروج بهافانا من الأزمة التي تمر فيها، وأيضا يمكن تقديم هذه الأمور إلى واشنطن على أنها أيضا خطوات مستجدة إيجابية من أجل السير في الحوار بين البلدين.
ويحمل ذلك في الوقت ذاته، على حد قول فرحات، رغبة من هافانا في الإعلان عن أيدلوجيا جديدة وتغيرات يمكن من خلالها إدارة حوار أمريكي كوبي حتى تتفادى المزيد من العقوبات وبعض الإجراءات العسكرية والأمنية التي من الممكن أن تتخذها الولايات المتحدة.
وأردف أن هافانا التي تدير في الأساس نقاشا مع الولايات المتحدة في السر، لإعادة ضبط الإيقاع، حتى لا يكون النموذج الكوبي معاديا أو مطابقا لسياسات الدول التي تعتبرها واشنطن بلدانا لاتينية معادية لها.
ويتوقع أن يتبع هذه الإصلاحات الاقتصادية، أخرى سياسية من الممكن أن تذهب بكوبا من بلد معزول معاقب إلى دولة من الممكن أن تكون منفتحة أكثر على الولايات المتحدة وجوارها، ولا سيما بعد العقوبات القاسية التي فرضت من واشنطن.