حرب أوكرانيا إلى أين.. سلام قبل الشتاء أم تصعيد لا نهائي؟
دخلت الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة «سباق مع الزمن» مع اقتراب فصل الشتاء، وسط حراك سياسي مكثف لإنهاء العمليات العسكرية النشطة، يقابله تباعد حاد في شروط التفاوض بين موسكو وكييف.
رئيس المكتب الرئاسي الأوكراني، كيريلو بودانوف، أعلن أن الرئيس فولوديمير زيلينسكي وجّه بإنهاء المرحلة النشطة من الحرب قبل حلول الشتاء كأولوية قصوى، مؤكداً وجود مؤشرات حقيقية على إمكانية وقف إطلاق النار رغم احتمالية الرفض الروسي. فيما أبدى الرئيس زيلينسكي رغبته في عقد محادثات سلام مع نظيره الروسي في دولة محايدة، مشدداً على أن خط الجبهة الحالي يجب أن يكون أساساً لأي تهدئة، مع رفض كييف التام لأي تسويات تُطبخ بغيابها، وتمسكها بالضمانات الأمنية. وفي السياق، اتهم وزير الخارجية، أندري سيبيها، موسكو بالتظاهر بالانخراط في السلام دون خطوات عملية، بينما أكد وزير الدفاع، ميخايلو فيدوروف، استمرار ضربات المسيّرات لاستنزاف اللوجستيات الروسية.
الموقف الروسي..
لا تجميد للجبهات
في المقابل، حسمت موسكو موقفها من الطروح الأوكرانية، حيث أكد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن بلاده لن توافق على وقف إطلاق النار كشرط مسبق للمفاوضات، مجدداً رفض تجميد القتال عند خطوط التماس الحالية دون مراعاة شروط ومصالح روسيا المعلنة.
بدوره، أبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد بلاده للتفاوض بناءً على تفاهمات «إسطنبول» السابقة، مستبعداً في الوقت ذاته جدوى أي لقاء مباشر مع زيلينسكي ما لم يتم التوصل مسبقاً إلى اتفاق جاد وقابل للتوقيع.
الدعم الغربي وضبابية المشهد وعلى المقلب الآخر، دخلت القوى الأوروبية «بريطانيا، فرنسا، وألمانيا» على خط الأزمة معلنةً دعمها لوقف إطلاق نار شامل، شريطة تقديم ضمانات أمنية لكييف ومواصلة إمدادها بالمساعدات العسكرية. ومع هذا التصلب في مواقف الطرفين واستمرار الزخم العسكري، يظل السؤال قائماً: هل ينجح الضغط السياسي والزمني في كسر الجمود قبل أن تجمد الثلوج قنوات الدبلوماسية؟
أوكرانيا.. سباق تحسين المواقع
ويؤكد د. سعيد سلام، مدير مركز «فيجن» للدراسات الاستراتيجية في أوكرانيا، أن الحرب الروسية الأوكرانية دخلت مرحلة «سباق الزمن»، حيث لم يعد النقاش يدور بين خيار السلام السريع أو استمرار التصعيد فقط، بل حول قدرة كل طرف على تحسين موقعه قبل أي تسوية محتملة.
وكشف في حديث لـ«إرم نيوز» أن التطورات الأخيرة سواء على المستوى السياسي أو العسكري، أوجدت معادلة جديدة تقوم على فرض الشروط وتحديد شكل التسوية المقبلة.
وأضاف سلام أن مخرجات قمة مجموعة السبع واجتماعات منصة رامشتاين الأخيرة تزامنت مع تحولات ميدانية سمحت للقوات الأوكرانية باستعادة بعض المواقع المهمة وكسر حالة الجمود التي سيطرت على الجبهات لفترات طويلة؛ وهو ما وفر لكييف أوراقا إضافية قبل أي مفاوضات محتملة.
وأشار إلى أن موسكو ما زالت متمسكة بأهدافها العسكرية والسياسية وترفض الضغوط الزمنية الخارجية، فيما تتجه الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون إلى زيادة الضغوط الاقتصادية والعسكرية على روسيا.
وقال إن الاتفاق الأمريكي على تهدئة الأوضاع في الشرق الأوسط أتاح لواشنطن إعادة تركيز جهودها على الملف الأوكراني، وهو ما انعكس على النقاشات السياسية الدولية المرتبطة بالحرب.
واعتبر أن خطة «النقاط العشرين» القائمة على تجميد خطوط المواجهة الحالية وترتيبات أمنية مشتركة أصبحت من أبرز المسارات المطروحة دبلوماسيًا، وذلك تزامنا مع استمرار الضربات المتبادلة التي تندرج، بحسب وصفه، ضمن إطار «حرب الاستنزاف» الهادفة إلى تحسين شروط التفاوض. وقال، إن الشتاء المقبل قد يشكل عامل ضغط على جميع الأطراف؛ بما يدفع نحو تسوية سياسية إذا توافرت الظروف المناسبة لذلك.
«الغرب عطل
تسوية أوكرانيا»
في السياق ذاته، أكد د. نزار بوش، أستاذ العلوم السياسية بجامعة موسكو، أن فرص التوصل إلى تسوية بين روسيا وأوكرانيا كانت متاحة منذ المراحل الأولى للحرب، إلا أنها لم تتحقق بسبب ما وصفه بتدخلات غربية حالت دون استكمال المسار التفاوضي.
وأشار إلى أن الغرب واصل تقديم الدعم المالي والعسكري الواسع لكييف على مدى سنوات الحرب، معتبرًا أن الهدف كان استنزاف روسيا وإضعافها عبر ساحة القتال الأوكرانية.
وأضاف أن موسكو تخوض المواجهة في ظل دعم عسكري وسياسي تتلقاه أوكرانيا من عشرات الدول، خاصة وأن العقوبات الاقتصادية لم تحقق النتائج التي استهدفتها في إضعاف القدرات الروسية. وشدد على أن الضربات الأوكرانية بالطائرات المسيرة داخل العمق الروسي أصبحت أكثر إيلامًا خلال الفترة الأخيرة خاصة عند استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية.
ويرى بوش أن هذه الضربات لا تمثل عامل حاسم يمكن أن يغير مسار الحرب أو يدفع روسيا إلى التراجع عن أهدافها، خاصة وأن استمرار الضربات الروسية على المنشآت الصناعية والبنية التحتية داخل أوكرانيا مع تصاعد وتيرة الهجمات المتبادلة بين الجانبين. وأكد أن الغرب يسعى إلى زيادة الضغوط على موسكو قبل حلول الشتاء، أملاً في دفعها إلى تقديم تنازلات، إلا أنه يعتقد أن هذه السياسة تؤدي إلى مزيد من التمسك الروسي بمواقفها. وأشار بوش إلى أن أوكرانيا ستواجه تحديات أكبر إذا استمر التصعيد حتى الشتاء، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية، مضيفًا أن نتيجة الحرب ستتحدد في النهاية وفق قدرة كل طرف على الصمود وتحمل كلفة الاستنزاف لفترة أطول.