شذرات إخراجية

شذرات إخراجية

المخرج الذكي من ينظم إحساس المتفرج في العرض، المخرج يصنع الإيقاع من خلال سرعة الحوار وفترات الصمت وحركة الممثلين والانتقال بين المشاهد والموسيقى والإضاءة فقد يكون المشهد بطيئاً لكنه شديد التوتر وقد يكون سريعاً بلا تأثير وقد يغلي المشهد من قوة الصمت، ومن أهم مهارات المخرج أنه يعرف متى يرفع طاقة المشهد ومتى يمنح الجمهور لحظة هدوء، شاهدنا عروضًا من بدايتها وحتى نهاياتها صاخبة حيث إن المخرج لم يكن لديه مفتاح الريتم، جرب كمتفرج واسأل نفسك لماذا شعرت بالملل وفي عرض آخر لمَ اندمجت واستمتعت!!!
لكل شخصية هدف داخل المشهد وتحاول الشخصية تحقيقه من خلال الفعل المسرحي (الإقناع – الخوف- التهديد- الاستعطاف) فبدل أن يقول المخرج الكلمة الجاهزة للممثل كن غاضباً وكن خائفاً (وتوجيه المسرح المدرسي) يوجهه بشكل احترافي أن عليك أن تجبر الشخصية التي أمامك على الاعتراف فقد يقول الجملة بهدوء ودون غضب واستجواب مريح تجعله أكثر إقناعاً من الانفعال والغضب هنا يصبح الأداء أكثر إقناعاً!!!
(ميزانسين) المسرح من أهم الأدوات التي يمتلكها المخرج في بناء العرض المسرحي، فهو لا يقتصر على تحديد حركة الممثلين فوق الخشبة، بل يشمل مجمل الصورة البصرية الذي يراه المتفرج من حركة الممثل وموقعه، وعلاقته بالممثلين الآخرين، والديكور، والإضاءة، والفضاء، والكتل، والمستويات، والإيقاع البصري. ومن خلال هذه العناصر يحوّل المخرج النص المكتوب إلى صورة مسرحية حية تحمل معنى ودلالة.
وتظهر أهمية (الميزانسين) في قدرة المخرج على التعبير بالصورة وليس بالكلمة وحدها. فقد يقول الحوار شيئاً، بينما يكشف موقع الممثل أو المسافة بينه وبين شخصية أخرى معنى أعمق، فإن الصورة نفسها تستطيع أن تنقل إحساساً لدى المتفرج قبل أن ينطق الممثل بأي كلمة.
كما يرتبط الميزانسين بما يمكن تسميته ميزان المسرح، أي توزيع الممثلين والكتل والعناصر داخل الفضاء بصورة تحقق توازناً بصرياً مقصوداً، وليس المقصود بالتوازن أن يكون عدد الممثلين متساوياً على جانبي الخشبة دائماً، بل أن تكون الصورة محسوبة من حيث الثقل البصري والدلالة. فقد يقف خمسة ممثلين في جهة، وممثل واحد في الجهة المقابلة، ومع ذلك تكون الصورة متوازنة إذا استخدم المخرج الإضاءة أو الديكور أو قوة حضور الشخصية المنفردة بغرض التأكيد ، وقد يكون اختلال الميزان نفسه مقصوداً للتعبير عن التوتر أو الاضطراب.
النص الواحد يستطيع أن يقدمه مخرجان بصورتين مختلفتين تماماً، لأن كلاً منهما يقرأ العلاقات والفضاء والإضاءة والحركة بطريقة مختلفة. وكلما امتلك المخرج وعياً أكبر بالميزانسين، أصبح أكثر قدرة على تحويل أفكاره من مجرد تفسير للنص إلى تجربة بصرية ودرامية متكاملة.
في النهاية، لا تكمن مهمة المخرج في أن يجعل الممثلين يتحركون فوق الخشبة فحسب، بل في أن يعرف لماذا يتحركون، وأين يقفون، وماذا تقول الصورة التي يصنعونها. وهنا تكمن قيمة الميزانسين، أن تصبح خشبة المسرح لغة بصرية، وأن يصبح كل موقع وحركة وضوء وفراغ جزءاً من الرواية التي تصل إلى المتفرج، وعلى فكرة _الميز انسين أعمق من السينوغرافيا_!!! ودمتم بخير.