"فورمولا 1"... فيلم عن السرعة وفلسفة الانتصار

عمل للمخرج جوزيف كوسينسكي يعود فيه لكلاسيكيات العمل في هوليوود

عمل للمخرج جوزيف كوسينسكي يعود فيه لكلاسيكيات العمل في هوليوود

ثمة أفلام تدخل قاعة العرض وهي تحمل وعداً ضمنياً، وعد بأنك ستخرج منها بنبض أسرع مما دخلت، "F1: The Movie" واحد من هذه الأفلام النادرة التي توفي بوعدها بالكامل، بل تتجاوزه أحياناً.

ليس لأنه يكسر القواعد أو يعيد اختراع السينما، بل لأنه يتقن ما يفعله بمهارة حرفية نادراً ما نراها في زمن الضجيج البصري الرقمي. منذ اللحظة الأولى، حين يوقظ الممثل براد بيت شخصيته "سوني هايز" من نوم عميق داخل شاحنته المتهالكة بجوار حلبة دايتونا، ليشغل موسيقى فرقة "ليد زيبلين" البريطانية ويطلق العنان لسيارته في دوائر انتصار بهيجة، تدرك أن هذا الفيلم يعرف تماماً ما يريد تقديمه.
المتعة هنا ليست سطحية ولا رخيصة، بل هي تلك المتعة الراسخة في جوهر السينما الكلاسيكية الكبيرة، متعة مشاهدة ممثل في قمة قدرته التعبيرية، والإحساس بالسرعة لا عبر التقنية الرقمية الباردة، بل عبر كاميرات حقيقية ركبت داخل سيارات حقيقية تمزق أسفلت أشهر حلبات العالم.
يعود المخرج جوزيف كوسينسكي هنا بالسؤال ذاته الذي طرحه في تحفته السينمائية عام 2022 "توب غن: مافريك": كيف نجعل المشاهد يشعر أنه يعيش اللحظة لا يراقبها؟ وجوابه مرة أخرى يسكت كل شك.

بساطة مقصودة
لا جدوى من التظاهر بأن قصة "F1" مفاجئة أو غير متوقعة، في جوهره، يبدو السرد بسيطاً على نحو لافت. سوني هايز بطل خائب كان على أعتاب المجد ثم انهار بعد حادثة تحطم شبه مميتة إبان محاولته التفوق على آيرتون سينا، أسطورة السباقات الحقيقية الذي قضى عام 1994 في حادثة سباق سان مارينو المأسوي.
30 سنة تحول فيها سوني إلى مقامر محترف وسائق تاكسي في نيويورك، وهو ماض لا يعطيه الفيلم حق الاستكشاف البصري للأسف، قبل أن يستدعيه صديق قديم هو روبن (خافيير بارديم بكاريزما هادئة) لينقذ فريق سباقات يحتضر. انطلاقاً من هذه الفرضية، يبني الفيلم هيكلاً مألوفاً: المرشد المسن والتلميذ المغرور، والفريق المختل الباحث عن الخلاص، والضغوط المؤسسية التي تهدد بالانهيار.
في المقابل، يعرف إيرن كروغر، أن مهمته ليست كتابة سيناريو يدهش النقاد بل بناء هيكل متماسك يسمح للمشاهد بالتنفس بين تسارعات السباقات. الشخصيات نمطية، لكنها نمطية بوعي لا بغفلة.
هناك الزميل الشاب المتغطرس جوشوا بيرس (دامسون إيدريس بأداء متوتر حي)، والمديرة التقنية الذكية كيت ماكينا (كيري كوندون في دور يمنح المرأة صوتاً فعلياً في عالم مذكر بامتياز)، والمسؤول الشركاتي الانتهازي بانينغ (توبياس منزيس).
الأهم من التساؤل عن مدى نمطية هذه الشخصيات هو فهم لماذا لا يضر ذلك بمتعة الفيلم، أفلام الرياضة العظيمة، من "روكي" عام 1976 إلى "راش" عام 2013، لم تبن على الغرابة السردية، بل على الطاقة العاطفية المضخة داخل هياكل مألوفة. وعلى خلاف سينما معاصرة تسعى إلى تقويض توقعات النوع، ينحاز "F1" إليها ويتعامل مع الأعراف بوصفها مورداً لا قيداً.

براد بيت
يبدو براد بيت في الـ60 من عمره هنا، كنجم هوليوود الكلاسيكي الذي لا تتذكر متى آخر مرة رأيت فيها ممثلاً بهذا المستوى من الحضور المريح على الشاشة. كوسينسكي يعمل معه كما كانت تعمل الاستوديوهات القديمة مع نجومها: فيضيء وجهه بطريقة بسيطة وطبيعية تجعل حضوره على الشاشة قوياً حتى في المشاهد العادية، من دون الحاجة إلى إضاءة كبيرة أو مؤثرات مبالغ فيها.
يلبسه جينزاً أزرق وقميصاً مفتوحاً يستحضر ببراعة روبرت ريدفورد في السبعينيات، وأحياناً يجرده من القميص لا كاستعراض جسدي بل كلغة بصرية تقول إن هذا رجل لا يحتاج إلى دروع.
تجسيده لسوني هايز لا يسعى إلى عمق نفسي بقدر ما يركز على بناء الحضور، وهو لا يحاول إعادة تشكيل ذاته جذرياً، بل يصقل صورة تراكمت عبر عقود: الرجل الهادئ الواثق الذي يتحرك داخل الفوضى بقدر استثنائي من السيطرة السهلة.
لكن ما يجعل هذا الأداء يتجاوز مجرد الجاذبية البصرية، قدرته على الإيحاء بعمق عاطفي بأقل قدر ممكن من الإفصاح، تلك المهارة التي صقلها جيل ريدفورد وستيف ماكوين وبول نيومان، حيث النظرة الواحدة تقول ما يعجز عنه خطاب كامل.
سوني هايز شخصية تتكلم بسيارتها أكثر مما تتكلم بلسانها، ورجل خسر مرة ولا يريد أن يعترف بخسارته. بيت يجسد هذا التناقض بخفة ثقيلة، إن جاز التعبير. غير أن الفيلم نفسه يعترف بمحدودية هذا الأداء في مشاهد الانكسار الداخلي، وهي لحظات يتباطأ فيها الإيقاع كما لو أن المحرك يفقد جزءاً من احتراقه.
في هذه اللحظات تحديداً تنقذ كيري كوندون الفيلم، إذ تقدم كيت ماكينا بحضور صوتي وجسدي يجعل المشاهد يشعر أن شخصاً حياً يقف في الإطار لا مجرد وظيفة درامية. بصفتها المديرة التقنية، تمثل البعد الفكري والبنيوي للرياضة، عالم الهندسة والاستراتيجية والحساب، وفي مشاهد عدة محورية تتحول إلى الصوت الرئيس للفيلم. من دونها، كان السرد مهدداً بالانزلاق الكامل نحو الاستعراض.
الأكثر إثارة للاهتمام هو تقاطع أداء بيت مع ثيمات الفيلم الأعمق، شخصية سوني تقدم مراراً كدخيل، رجل خارج زمنه، ومع ذلك يواصل السرد تأكيد صحة أساليبه، تمرده على القواعد واعتماده على الحدس بدلاً من البيانات لا تطرح كعيوب بل كفضائل ينبغي استعادتها.
بهذا المعنى، يبني الفيلم ميثولوجيا خفيفة حول الرجولة المتقدمة في العمر، إذ لا تكون الخبرة ذات قيمة فحسب، بل تتفوق على عقلانية العالم المعاصر القائمة على الخوارزميات. هذا طرح يبدو، في أحسن الأحوال، رومانسياً متقادماً.

التقنية البصرية
الفارق الحقيقي بين "F1"، وأي فيلم سباقات مصنوع بموازنة ضخمة يكمن في القرار الجذري الذي اتخذه كوسينسكي ومدير تصويره كلاوديو ميراندا: وضع كاميرات حقيقية داخل سيارات حقيقية تسابق في فعاليات الفورمولا 1 الحقيقية، مع تكامل بين لقطات بيت وإيدريس وهما يقودان وبين لقطات البث التلفزيوني الحي.
لا تكتفي الكاميرا بمراقبة السباق، بل تسكنه. تثبت داخل قمرة القيادة، تتماهى مع خطوط نظر السائقين، وتزاوج مع لقطات تحاكي البث التلفزيوني، بحيث ينهار الفاصل بين المشاهد والمشارك.
اللحظة حين ترى عين سوني في لقطة قريبة جداً وهو يضيق بصره مراقباً المنافس ثم تنتقل الكاميرا إلى المنافس ذاته وهو يفعل الشيء ذاته، تفهم ما يعنيه كوسينسكي بمحاولة إلغاء المسافة بين المشاهد والحدث.
المونتاج الذي تولاه ستيفن ميريوني يحول تغيير الإطارات بين اللقطات القريبة والبعيدة إلى تجربة إيقاعية تشبه نبضات قلب في آخر دقيقة سباق، متناوباً بين لحظات شبه ساكنة وانفجارات من التسارع الكاسح.
هذه الطريقة التصويرية تستحضر مقارنات مع "غراند بري" لجون فرانكنهايمر عام 1966 و"لو مان" عام 1971، لكنها تتجاوزهما تقنياً بمراحل. الأقرب روحاً وأسلوباً هو "راش" لرون هاورد عام 2013، وإن كان "F1" يختلف عنه بتضحيته الواعية ببعض العمق النفسي في مقابل الإثارة البصرية المتواصلة.

متى يتحول الإبهار إلى إعلان؟
لا تصح مراجعة نزيهة لهذا الفيلم من دون الإشارة إلى ثقله التجاري الصريح، عشرات الشعارات التجارية مثبتة على كل سطح، والرعاية الرسمية لمنظمة الفورمولا 1 تعني بالضرورة غياب الجرأة في الطرح وغياب أي كشف عن الجانب المظلم لرياضة تحرق الوقود الأحفوري بنهم فاضح في زمن أزمة مناخية متفاقمة.
وعلى خلاف أفلام مثل "راش" أو حتى "فيراري" الأكثر تأملاً، يتجنب "F1" الاشتباك الجاد مع اللامساواة البنيوية وهيمنة الشركات والحتمية التكنولوجية التي تعرف الفورمولا 1 المعاصرة، حين يقدر أن براد بيت يحصل على 30 مليون دولار من هذا الفيلم وحده، يصبح قول "الأمر لا يتعلق بالمال" على لسان سوني هايز نكتة تجارية لا موقفاً درامياً.
يطرح الفيلم أيضاً بجرأة غير مقصودة تساؤلاً عن الشيخوخة والمنافسة، فلويس هاميلتون، أحد منتجيه والبطل الأسطوري ذو السبعة ألقاب، يمر في مشهد مقتضب وهو في الـ40 يعاني هو نفسه للحفاظ على مكانته في بطولة 2025.
المفارقة ساخرة: الفيلم يمجد عودة الـ60 في حين أن البطل الحقيقي خلف الكواليس يخوض معركته الشخصية لتأجيل الأفول، يضاف إلى ذلك أن المخرج نفسه اعترف بوجود خطوط سردية كاملة حذفت، من بينها دور الممثلة سيمون آشلي الذي صور كاملاً ثم اختفى. هذا لا يكسر الفيلم، لكنه يذكرك بأنك تشاهد منتجاً محسوباً له حدوده ومناطقه المحظورة.
ثمة توتر أعمق يستحق الإشارة: الفيلم يلمح إلى أهمية العمل الجماعي ويقدم خطاباً عن المكاسب الهامشية والجهد المشترك، غير أن حله الدرامي ينحاز في النهاية إلى الفعل الفردي.
سوني لا يكتفي بالمساهمة في نجاح الفريق بل يعيد تعريف منطق هذا النجاح. هذا التوتر بين الجماعية والفردانية لا يحسم بالكامل، وربما لا يمكن حسمه أصلاً نظراً إلى اعتماد هذا النوع السينمائي تاريخياً على مركزية البطل.
يمكن فهم "F1: The Movie" ليس بوصفه فيلماً عن السباق بقدر ما هو تأمل في الجاذبية المستمرة للصيغة السينمائية ذاتها، فهو يعترف ضمنياً بأن الجمهور لا يبحث دائماً عن الجديد، بل أحياناً عن الدقة، عن متعة رؤية عناصر مألوفة تنفذ بمهارة استثنائية.
إنه سينما نوع في أرفع أشكالها: رياضي، ملحمي، عاطفي، بصري، يعمل وفق وصفة مجربة لكنه يضيف إليها من كل مكون قليلاً أكثر مما تتوقع، لقطة أجمل، مونتاج أحد، ابتسامة بيت في اللحظة الصحيحة، وصوت كيري كوندون حين يحتاج الفيلم إلى من يذكرك بأن ثمة بشراً حقيقيين وسط كل هذا الفولاذ والدخان.
بيد أن ما يختار الفيلم استبعاده لا يمكن تجاهله، بتبسيطه لتعقيدات موضوعه، يحقق سهولة الوصول على حساب العمق. العالم الذي يقدمه أنيق ومضيء ومثير، لكنه خال بصورة لافتة من الاحتكاك الحقيقي.
ما إذا كان ذلك قصوراً أم خياراً جمالياً واعياً يبقى رهناً بتوقعات المتلقي، لكن المؤكد أن "F1" ليس "سينا" الوثائقي في عمقه، وليس "راش" في توازنه الإنساني. في اللحظات الكبرى لكن، حين تضغط موسيقى هانس زيمر وتنسرح الكاميرا على طول مستقيم أبو ظبي في آخر دقيقة سباق، يصنع شيئاً نادراً: يجعلك تنسى للحظة كل ما تعرفه عن الصيغة المحسوبة، وتشعر بالنبض الخالص للحظة رياضية حقيقية.
هذا ما تستطيع فعله السينما حين تضع يديها على العجلة بثقة، وإذا كان من خلاصة، فهي أن "F1" يثبت أن الآلة الكلاسيكية لهوليوود، حين تدار بكفاءة كافية، لا تزال قادرة على الانطلاق بسرعة استثنائية.