بحث علمي يفتح آفاقًا جديدة لغذاء أكثر استدامة

نجاح فريق بحثي بجامعة الإمارات في تطوّير بدائل بروتين خالية من المكونات الحيوانية باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد

نجاح فريق بحثي بجامعة الإمارات في تطوّير بدائل بروتين خالية من المكونات الحيوانية باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد

تواصل جامعة الإمارات العربية المتحدة جهودها البحثية في وضع حلول بحثية مبتكرة للتحديات في مختلف المجالات الحيوية، حيث نجح فريق بحثي من قسم علم الأغذية في كلية الزراعة والطب البيطري من تطوير بدائل غنية بالبروتين للحوم، بما يوفّر للمستهلكين خيارات غذائية مغذية وأكثر استدامة، وذلك من باستخدام تقنيات متقدمة تجمع بين المحاكاة الجزيئية والطباعة ثلاثية الأبعاد، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث نجح الفريق في العمل على إنتاج بدائل غذائية خالية من المكونات الحيوانية، في خطوة تعكس التزام جامعة الإمارات بدعم الابتكار العلمي في مجالات الأمن الغذائي والاستدامة الصحية والبيئية.
وأوضح الأستاذ الدكتور ساجد مقصود، أستاذ الانظمة الغذائية المستدامة في جامعة الإمارات، أن هناك تحديات متزايدة مرتبطة بالمنتجات الحيوانية، مشيرًا إلى أن البروتينات النباتية تُعد خيارًا أكثر استدامة وكفاءة في استخدام الموارد، كما أنها أقل ارتباطًا بمخاطر انتقال الأمراض بين الحيوان والإنسان. وأضاف " يأتي هذا التوجه في وقت يشهد فيه العالم اهتمامًا متناميًا ببدائل اللحوم، حيث تشير التوقعات إلى أن حجم هذا السوق قد يصل إلى 49.5 مليار دولار بحلول عام 2036. ومع ذلك، لا تزال كثير من المنتجات المطروحة في الأسواق تواجه تحديًا رئيسيًا يتمثل في عدم قدرتها على محاكاة القوام الحقيقي للحوم، وهو ما يحدّ من إقبال بعض المستهلكين عليها.
وأوضح " اعتمد الفريق البحثي في معالجة هذه الفجوة، منهجية علمية تقوم على ما يُعرف بـ"النهج التصاعدي"، حيث درس الباحثون التفاعلات بين أنواع مختلفة من البروتينات النباتية على المستوى الجزيئي، بهدف تحديد التركيبات القادرة على إنتاج قوام قريب من اللحم الحقيقي، واستخدم الفريق تقنية "محاكاة الالتحام الجزيئي"، وهي تقنية تُستخدم عادة في اكتشاف الأدوية، وذلك لتحديد البروتينات الأكثر توافقًا وقدرة على تكوين البنية المطلوبة، وبيّن الدكتور مقصود أن هذه التقنية أسهمت في التنبؤ بأنواع البروتينات التي تُظهر أداءً أفضل عند دمجها معًا.
من جانبه أكد الدكتور إبراهيم خليفة، الباحث في علوم الأغذية بجامعة الإمارات، أن الفريق نجح حتى الآن في تطوير بدائل للدجاج والأسماك والبيض، وفي دراسة نُشرت في مجلة الغرويات المائية الغذائية، وبالتعاون مع جامعات دولية مرموقة، إمكانية طباعة بديل للأسماك باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، واعتمدت التجربة على بروتينات الصويا واللوبياء الشعاعية والبطاطس لمحاكاة قوام السمك بصورة دقيقة.
وأضاف الدكتور خليفة أنه "من أبرز مزايا هذا النهج البحثي أنه لا يقتصر على إنتاج بديل غذائي مشابه في الشكل والقوام فحسب، بل يتيح أيضًا تعزيز القيمة الغذائية للمنتج النهائي"، كما يحتوي السمك الطبيعي على نسبة منخفضة جدًا من الألياف، في حين يمكن للفريق البحثي إدراج الألياف ضمن تركيبة بديل السمك، بما يجعله أكثر فائدة من الناحية الغذائية والصحية. وهنا تكمن النقطة الجوهرية للبحث حيث أن الهدف ليس فقط تقليد الغذاء التقليدي، بل تحسينه أيضًا من خلال التدعيم الانتقائي.
هذا وتوفّر تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد مزايا متعددة في هذا المجال، إذ تتيح إنتاج مواد غذائية غنية بالبروتين بأشكال متنوعة ودقيقة. وقد يكون لهذا الأمر أهمية خاصة بالنسبة للأطفال، حيث يمكن طباعة الأغذية بأشكال محببة تشجعهم على تناولها، كما تساهم هذه التقنية في تقليل الفاقد بدرجة كبيرة مقارنة بعمليات التصنيع التقليدية، وأوضح الدكتور خليفة أنه يمكن تصميم المنتج وتعديل أبعاده وحجمه ثم طباعته وتحويله من الحالة السائلة إلى الصلبة، لافتًا إلى أن الطباعة ثلاثية الأبعاد تقلّل الهدر بنسبة تصل إلى 95%.
من جانبه أكد الدكتور مقصود أن باحثي جامعة الإمارات أقاموا تعاونًا علميًا واسعًا مع مؤسسات أكاديمية دولية مرموقة تتمتع بخبرة راسخة في مجال أبحاث البروتينات البديلة، وأضاف أن هذا التعاون يقوم على تكامل الخبرات والمعارف، بما يدعم تطوير هذا المجال البحثي المتخصص ويمنح المشاريع العلمية في جامعة الإمارات بعدًا دوليًا واضحًا.
هذا ويتطلع الفريق البحثي إلى توسيع نطاق استخدام تقنيات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي في الدراسات المستقبلية، بما يسمح بفحص عدد أكبر من البروتينات المحتملة وزيادة التركيبات الممكنة بينها، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تطوير أنواع جديدة ومتنوعة من بدائل اللحوم، أما الخطوة التالية في المشروع، فتتمثل في اختبار ما بعد الطباعة ودراسة انطباعات المستهلكين، حيث أوضح الدكتور مقصود أن المرحلة المقبلة ستشمل البحث عن مزيد من التركيبات المناسبة، إلى جانب العمل على استقرار المنتجات وتحسين مذاقها وقياس مدى تقبّل المستهلكين لها.
وبهذا البحث، تواصل جامعة الإمارات العربية المتحدة ترسيخ دورها كمؤسسة أكاديمية وبحثية مرموقة، تسهم في تطوير حلول مبتكرة لمستقبل الغذاء، وتدعم توجهات الدولة نحو الاستدامة والابتكار وتحقيق الأمن الغذائي وتعزيز جودة الحياة.