رئيس الدولة والرئيس الموريتاني يبحثان تعزيز علاقات التعاون وتداعيات التطورات الإقليمية
آراء الكتاب
مساحة نستعرض فيها الأفكار والإبداع بهدف إثراء الحياة الثقافية يعبر القارىء فيها عن رأيه ولا يمثل وجهة نظر الصحيفة نتلقى مشاركتكم عبر الايميل
abdalmaqsud@hotmail.com
الحروب تقتل الإبداع والتقدم والازدهار
الإبداع والتقدم والازدهار غالباً ما يظهرون في البلدان المستقرة التي تعيش وتتمتع بالأمن والاستقرار، لكن الحروب تُمثل آفة قاتلة للإبداع في المجتمعات التي تعاني من النزاعات والحروب وفي مثل هذه الظروف تصبح أولويات الإنسان في البحث عن الأمان والاستقرار أسبق من غيرها في التفكير والبحث عن التقدم، فحاجة الإنسان للأمان كحاجته للأكل والشرب ولا تقل هذه الحاجة عنهما .
لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض في ظل الظلام الدامس الذي تتركه الحروب، حيث تظل آثارها واضحة في كل تفاصيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ويكون أعمقها الجانب النفسي، وتتبدل أولويات الأفراد بشكل جذري في زمن الحرب ، حيث يواجه تحديات كبيرة تكمن في مواجهة المخاطر اليومية، ويصبح البقاء على قيد الحياة والحفاظ على الأمان هو الشغل الشاغل للجميع ومنذ القديم تبحث الطبيعة البشرية عن الاستقرار والأمن .
وتتضاءل أهمية التفكير في الإبداع والتقدم العلمي والبحث العلمي ،حيث لا يمكن للأفراد أن يركزوا على التقدم حينما تكون حياتهم مهددة بشكل مستمر لأن هناك أولويات تجعلهم منغمسين في البحث عنها، إن الحروب تترك آثاراً مدمرة على الاقتصاد والحياة الاجتماعية ، حيث يؤدي فقدان الأمان إلى توقف الأنشطة الاقتصادية الأساسية وفقدان الشغف وتعطيل البنية التحتية، وصدق الأخطل الصغير حين قال :
(إنها الحرب ولم تحمل على سطحها إلا رسوماً خاوية) .
وحتى الموارد التي يمكن أن تستخدم لتطوير العلوم أو التكنولوجيا تُستنزف في تمويل الصراع، ولو تحدثنا عن الجانب الاجتماعي ، لوجدنا أن الروابط تُدمّر بين أفراد المجتمع، وتزداد الضغوط النفسية بسبب القلق المستمر وعدم الاستقرار.
هذه الضغوط تؤثر بشكل مباشر على القدرة على الإبداع والمساهمة في التطور الاجتماعي أو الثقافي ومن خير ما قيل :
الحرب كالحب ، من السهل أن تبدأها ، ومن الصعب أن تنهيها ، ومن المستحيل أن تنساها، والحروب لا تقتصر على تدمير الممتلكات المادية بل تمتد لتشمل التدمير الثقافي والمعرفي وتدمير المكتبات والمتاحف والآثار ومراكز البحث العلمي مما يؤدي إلى فقدان جزء كبير من التراث المعرفي الذي يعد أساساً للإبداع والابتكار في المستقبل ويؤكد على هذا المعنى هنري فوسديك في مقولته الشهيرة :
"أسوأ ما في الحرب أننا نستخدم أفضل ما لدينا لنقوم بأسوأ ما نستطيع" ففي بيئة تتسم بالدمار والخراب، يصبح من الصعب على الأفراد والأجيال القادمة الوصول إلى المصادر اللازمة للتعلم والنمو الفكري.
الحروب تقتل الإنسان الذي يمثل الثروة الحقيقية في المجتمع وتقتل معه الإبداع وتعيق التقدم والتفكير في التطور والابتكار والازدهار، وتصبح الحياة اليومية مملوءة بالاضطرابات والتهديدات والخوف .
ولتحقيق التقدم والازدهار ، يجب أن تسعى المجتمعات إلى تحقيق الاستقرار والسلام والوعي يجب أن يكون حاضراً في أذهان الأفراد ويستقوا المعلومات من المصادر الموثوقة ليساهموا في حماية أوطانهم من الشائعات ، وليتمكن الأفراد من الإبداع والمساهمة في تقدم مجتمعاتهم في مختلف المجالات .
رنا الشريف : كاتبة
عصر تشجيع الثقافة
لاشك أن الروائي الناقد الأديب فؤاد قنديل وأدباء جيله يعدون إضافة بعد أديب نوبل نجيب محفوظ وأنه لا يمثل عقبة على الاطلاق في طريقهم ولم يكن كذلك في أي وقت، فالساحة متاحة للجميع وإنما هي شكاوى العاجزين، وهل كان نجيب محفوظ عقبة في طريق يوسف إدريس أو إحسان عبد القدوس وجيل الستينات الذين حصلوا على شهرة كبيرة في الداخل والخارج لمجرد أن نشر كل منهم عملًا واحدَا مثل جمال الغيطاني وأصلان والقعيد وفياض وبهاء طاهر وصنع الله وحافظ رجب وسمير ندا.
يرجع الفضل إلى نقاد الخمسينات والستينات في عصر تشجيع الثقافة والإبداع ويكفي أن هذه الفترة شهدت كتابات مندور وغنيمي هلال وعز الدين اسماعيل وعبد القادر القط وشكري عياد وشوقي ضيف ولويس عوض ومحمود العالم ومحمد أنيس ثم رجاء النقاش وغالي شكري وسامي خشبة وصبري حافظ وعبد المحسن بدر وفؤاد دواره. أما الجيل الحالي فهو يمثل عدة اتجاهات لها سمات مختلفة فالاتجاه التاريخي أبرز من يمثله الغيطاني والواقعية الرومانسية بهاء طاهر والواقعية الرمزية فؤاد قنديل، وهناك من الكتاب الجيدين من أضاف حقًا وهناك من حققت له الدعاية والعلاقات الاجتماعية مكانة ليس جديرًا بها.
سامي سرحان: عضو اتحاد كتاب مصر
مفهوم الكتابة
لم تكن المنابر يومًا دليل قيمة، ولا كثرة الحضور شهادة إبداع، فكم من قاعة امتلأت بالأجساد وخلت من المعنى وكم من صوت ارتفع وفي داخله فراغ. ليس كل من جمع كلمات صار كاتبًا، فالكتابة ليست حروفًا تصف بل روح تسكب وفكر يشعل وأثر يبقى بعد انتهاء السطر، وليس كل من وزن بيتًا أو أتقن قافية صار شاعراً، فالشعر لا يقاس بالميزان وحده بل بما يهز القلب ويوقظ الوجدان ويكشف ما تعجز اللغة العادية عن قوله، هناك فرق بين من يكتب… ومن يقال به الكلام، وبين من ينظم بيتًا… ومن تبني القصيدة بيتها فيه، فالرداءة تكثر الضجيج، أما الجمال الحقيقي فيكفيه همسة ليعرف.
هبا غزالة
بعد النهار
واللَيْلُ على مَهلٍ يتهادَى
بعد نهارٍ
راحَ يُلملمُ ما بقىَ من الضوءْ
أسكبُ ماءَ الطهرِ.. أوضئ نفسي ..
تسقطُ مع حباتِ الماءِ همومي
وصلاةُ المغربِ قد حانتْ ..
فشرعتُ أُصلي
ما إن سلَّمتُ ..
حتى ارتفعَ بحزنٍ صوتُ الناعي وهو ينادي ..
يعلنُ أن الشجرةَ ألقتْ ورقةْ ..
ورقَة عمرٍ يبُسَتْ
أصغي .. أرهفُ سَمْعي
لم أُفلح أن أتبينَ صاحبَ هذي الورقةْ
فأخذت أهرولُ نحوَ المسجدْ
حتى أُدركَ بين الناسِ مكاني
وسألتُ الواقفَ بجواري :
من صاحبُ هذى الورقة؟!
قال : فلان!
قلتُ : فـــلان ....؟!
يا ألله !
ما أعجبَ قَدَرَ الله
قد كان فلانٌ هذا
سبباً أن أبقى حيًّا منذ سنين..
لأصلي الآن .. بين الناس عليه !
والشيخُ يوجِّه موعظةً للناسِ عن الموتْ
تأخذُني الذكرى
وأنا ما بين مماتٍ وحياةْ
إذ يبرزُ صاحبُ هذي الورقةْ ..
يُنقذُني
والناس بعيني صورٌ تتداخلُ ترمقُني
ما بينَ الفزعِ المُطْبِقِ والفَرْحَةْ
وكأنَّ الناسَ جميعًا مثلي
قد وُهبوا قبل الموت حياة
ما زالَ الشيخُ يوجِّه موعظةً للناسِ عن الموتِ
وأنا مازلتُ بأجواءِ الذكرى :
" أتشبثُ بالفرعِ اللينْ ..
فى شجرةِ توتٍ ..
أقفزُ من فوقِ الكوخِ كأني عصفورٌ أتدلى..
فوق الترعةْ
كررتُ الفعل مِراراً
لكني حين هَويْتُ تلقفنَي الماء على عجل
فطفوتُ على فزعٍ ..
وأنا ألفظُ ماءَ الموتِ ..
ألتقطُ الأنفاسَ.. أقاومْ
حتى خارت بالماءِ قواي..
"مازال الشيخُ يردد أدعيةَ الرحمةِ للميِّتِ
و الجمعُ يرددُ .. آمين "
فيعـودُ الشيخُ يذكرنا :
سنصلي أربع تكبيرات تبدأ باسم الله ففاتحةِ الخيرِ
وشهادةِ حقٍ لله
ثم دعاءٍ بالخير لميِتنا
فدعاءٍ بالخيرِ لأنفسِنا والآلِ وللناسِ
ثم سلامْ ...
أسرعتُ أشاركُ في حَملِهْ
لكنِّى لم أفلحْ
فالحشدُ غفيرْ
يرحمهُ الله
أحمد نصر : شاعر
غُدَدِي الصَّمَّاء
غُدَدِي الصَّمَّاءُ..
لَا تَعْرِفُ الرَّحْمَةْ..
عَقْلِي..
لَا يَعْرِفُ التَّجَاوُزْ..
وَقَلْبِي بَاتَ..
كَمِصْبَاحٍ خَافِتٍ..
يَتَدَلَّى..
مِنْ سَقْفٍ مُتَهَاوٍ!
كِتَابٌ بَالٍ..
صَفَحَاتُهُ صَفْرَاءْ..
دَاخِلَ صُنْدُوقٍ صَدِئٍ..
رَأَيْتُ مَشَاعِرِي..
تَهْبِطُ مِنْ عُلُوٍّ..
إِلَى سَفْحٍ سَحِيقٍ..
لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ..
الفَرَحِ وَالأَلَمْ!
فَمَا أَقْسَى..
أَنْ أَشْعَرَ الأَلَمَ..
فِي قِمَّةِ الفَرْحَةْ..
وَأَنْ أَعِيشَ الفَرَحَ..
أَمَامَ عُيُونٍ..
تَفِيضُ بِالقَسْوَةْ!
نَعَمْ.. وَيْلٌ لِحَائِرٍ..
مَزَّقَتْهُ الأَيَّامُ..
وَتَبَعْثُرِ أَشْلَائِهِ..
فَوْقَ الثَّرَى..
وَهُوَ فِي قِمَّةِ النَّشْوَةْ!
كَانَ مُخْتَالاً.. نَعَمْ..
كَانَ مُحِبّاً.. نَعَمْ..
كَانَ أَصِيلاً.. نَعَمْ..
وَلَمْ تَكُنْ هِيَ..
قِمَّةُ المَأْسَاةْ..
مَأْسَاتُهُ الحَقِيقِيَّةُ..
مَنْ أَسْكَنْتُهُ..
قَلْبِي.. فغَادَرَهُ..
مَنْ كَسَرْتَ..
الخُبْزَ مَعَهُ.. خَانَهُ..
مَنْ اقْتَسَمْتَ مَعَهُ..
الضَّحْكَةَ وَالفَرْحَةَ..
وَالرَّجَاءَ..
ذَهَبَ بَعِيداً..
لِيَبْحَثَ عَنْ جَدِيدٍ..
لِيَسْكُنَهُ قَلْبَهُ..
لِيَكْسِرَ الخُبْزَ مَعَهُ..
لِيَقْتَسِمَ مَعَهُ..
الضَّحْكَةَ وَالفَرْحَةَ وَالرَّجَاءَ!
بَاعَهُ..
بَأبخْسِ الأَثْمَانِ..
وَرَحَلَ عَنْهُ..
لَمْ يَقُلْ وَدَاعاً!
فَمَاذَا أَقُولُ لَهُ..
إِنْ عَادْ؟
قَدْ يَعُودُ..
لَكِنَّهُ لَنْ يَجِدَ..
هَذَا القَلْبَ..
فَرِيد فُؤَاد: شَاعِرُ المَلَائِكَة
الزواج بين الوعي وبين الاندفاع
من قلب غرف العلاج النفسي، ومن بين ركام الحكايات، وعلى شواطئ الألم، أقول لك: لا تُقدِم على الزواج لمجرد أنك أنهيت تعليمك وخدمتك العسكرية ووجدت عملاً، فترى أن الوقت قد حان، فالزواج ليس قطعة تُكمِل بها لعبة، بل مسؤولية قد تتحول إلى عبء إن دخلتها بغير وعي، فتملّ وتضجر وتبحث عن بديل، ولا تتزوج لأن عمرك قد تقدّم، أو لأن أصدقاءك سبقوك إليه، فالزواج ليس استكمال عدد، بل علاقة إنسانية عميقة لا يُحدّدها سن.
لا تتزوج بدافع إطفاء الغريزة أو قضاء الشهوة، فحينها تختزل إنسانة في مجرد وعاء، وتُفرغ الزواج من معناه، لا تتزوج إرضاءً لوالديك أو لضغط المجتمع، فتكون قد تزوجت لحساب الآخرين لا لنفسك، والفرق كبير، ليس الزواج مجرد وسيلة لإكمال نصف الدين كما يُظن على عجل، بل كمال الدين ثمرة حُسن الاختيار، وطيب المعاشرة، وصلاح النية؛ فلا تجعله مبررًا للتسرع، ولا تُقدِم على الزواج وأنت تحمل تحفظات على من اخترتها، متوهّمًا أنك ستغيّرها بعد الزواج؛ فإما أن تقبلها كما هي، أو لا تُقدِم.
لا تتزوج فتاة صغيرة بنيّة “تربيتها”، فالزواج شراكة لا وصاية، ولا تُقدِم على الزواج وأنت تنوي حبس زوجتك ومنعها من العمل والحياة، فذلك ظلم وجور، لا تتزوج وأنت ترى المرأة أدنى منك شأنًا أو عقلًا، وتنتظر منها الخضوع المطلق، فذلك سبيل إلى التسلط وسوء المعاملة، وكثير من النساء يفوقن الرجال حكمةً وحسن تدبير، لا تتزوج لمجرد الرغبة في الإنجاب، فحينها تجعل من الزوجة وسيلة لا شريكة، لا تُنشئ في خيالك صورة ظالمة، تكون فيها أنت مستريحًا وهي مثقلة بالأعباء، ثم تنتظر منها الكمال، فذلك جور لا يستقيم معه بيت، لا تتزوج بدافع الإعجاب بالمظهر وحده، فتتعامل كصياد يقتنص فريسته، فإذا امتلكها ملّها وتركها.
وفي نفس السياق على الفتاة الالتزام باختيارها لمفهوم الزواج، حيث يطلب منها الا تتزوج لمجرد ارتداء فستان الزفاف، دون اعتبار للشخص الذي سيشاركك حياتك، لا تتزوجي هربًا من بيت أهلك، بل اختاري وجهتك ومن يرافقك فيها، لا تتزوجي لمجرد أن صديقاتك تزوجن، أو خوفًا من نظرة المجتمع، لا تتزوجي بدافع القلق من تقدّم العمر، فالعبرة بحسن الاختيار لا بتعجيل القرار، لا تظني أن الزوج هو المنقذ أو صانع الأحلام، بل هو رفيق طريق، وأحلامك تصنعينها بنفسك، لا تُقدِمي على الزواج وأنتِ مستعدة للتنازل عن ذاتك، فالحياة الزوجية مشاركة ومسؤولية، لا تضحية مُجحفة، لا تتزوجي من يسعى لتشكيلك وفق هواه، بل ممن يقبلك كما أنتِ.
لا تعوّلي على تغيير الطرف الآخر بعد الزواج، فالزواج ليس وسيلة للإصلاح أو التربية، لا تبحثي في الزوج عن “أب”، فتُحمّليه ما لا طاقة له به، كذلك، لا تقبلي بمن يبحث فيكِ عن “أم” أو خادمة، لا عن شريكة حياة، أما للمتزوجين ومن ينوون الزواج، فالزواج علاقة إنسانية بين شخصين اختارا أن يحيا معًا، لا أن يعيشا فقط؛ أن يكبرا سويًا، ويفرحا ويتألما سويًا، وهو قرار يحتاج إلى وعي ومسؤولية، لا صفقة تُبرم على عجل، تزوجوا حين تجدون الوقت مناسبًا، والشخص المناسب حقًا، تزوجوا وأنتم عازمون على الاحترام، والتعاون، ومنح كل طرف للآخر مساحة للحياة، وتذكروا أن إدراك احتمال الفشل لا يُفسد الزواج، بل يحرّره من الخوف، ويمنع الاستمرار في الذل والإساءة.
علاء رياض
الدلالة استقرار المعنى في الاستعمال
إذا كانت اللغة تنظّم الصوت في بنية، فإن الدلالة هي ما يمنح هذه البنية حياتها داخل التجربة، حيث لا يبقى المعنى احتمالًا، بل يصير استعمالًا، لكن كم مرة اختلفنا حول معنى كلمة قيلت في لحظة عابرة؟ كلمة واحدة قد تبدو واضحة، لكنها تُفهم بطرق متباينة، لا لأن حروفها تغيّرت، بل لأن السياق الذي قيلت فيه تغيّر. هنا تبدأ الدلالة بوصفها الوجه الحيّ للغة.
الكلمات، في ذاتها، لا تحمل معنى ثابتًا مكتملًا، بل تظل مفتوحة على احتمالات متعددة. نحن لا نلتقي بمعانيها إلا حين تُقال في موقف محدد، بين متكلم يقصد ومخاطب يفسّر، وفي ظرف يوجّه الفهم. عند هذه النقطة، يتحول المعنى من فكرة معلّقة إلى تجربة معيشة، نلمس ذلك في تفاصيل حياتنا اليومية. عبارة بسيطة مثل “لا بأس” قد تعبّر عن الاطمئنان، وقد تخفي ترددًا أو عدم رضا، بحسب نبرة الصوت وسياق الحديث. وفي فضاء التواصل الرقمي، حيث تغيب النبرة ويغيب الحضور المباشر، تتسع مساحة الالتباس، فنقرأ الكلمات أكثر مما نسمعها، ونؤولها أكثر مما نفهمها.
لهذا، لا تكون الدلالة خاصية ثابتة في الكلمة، بل علاقة تنشأ بينها وبين سياقها. المعنى لا يقيم في اللفظ وحده، بل في الطريقة التي يُستعمل بها، وفي الظروف التي تمنحه اتجاهه. كل تغيير في السياق يفتح احتمالًا جديدًا للفهم، ومع ذلك، لا يعني هذا أن المعاني سائبة بلا ضابط. فالتكرار والاستعمال المشترك يمنحان اللغة قدرًا من الاستقرار، يجعل التواصل ممكنًا. نحن نفهم بعضنا لأننا نتقاسم، إلى حد كبير، طرق استخدام الكلمات، لا لأن معانيها جامدة لا تتغير، بهذا المعنى، تقف الدلالة في منطقة وسطى بين الثبات والتحول. فهي تحفظ للغة استقرارها، وتمنحها في الوقت نفسه مرونة تسمح لها بمواكبة الحياة. ولولا هذا التوازن، لفقدت اللغة قدرتها على التعبير، وفقد المعنى قابليته للاستمرار.
في النهاية، لا يكتمل المعنى في الصوت وحده، ولا في اللغة كنظام، بل في الاستعمال الذي يمنحه حياة. فالكلمات لا تصبح ذات معنى حقيقي إلا حين تُقال وتُفهم وتُعاش، وعندها فقط تتحول من رموز صامتة إلى تجربة مشتركة، ومع تراكم الاستعمال عبر الزمن، تبدأ المعاني في التغير أو الترسخ، لتدخل اللغة في مسار أوسع هو مسار التاريخ. وهنا يبرز سؤال مفتوح: كيف تتبدل دلالات الكلمات مع مرور الزمن، وكيف تحتفظ اللغة بآثار هذا التحول؟
مأمور أول مأمور جوك١ : باحث