آراء الكتاب
النون: الصفر الصوتي وبداية التمايز
إذا كان الصوت هو أول لحظة يتجسد فيها المعنى، فإن النون تبدو وكأنها تقف على تخوم هذه اللحظة، في المنطقة الفاصلة بين ما لم يتشكل بعد وما بدأ في التحقق، ليست النون مجرد حرف ضمن منظومة اللغة، بل يمكن النظر إليها بوصفها حالة صوتية خاصة، لا هي صمت خالص ولا صوت مكتمل، بل وضع وسط يحمل إمكان التحول في أي اتجاه.
من هنا يمكن فهمها بوصفها “صفرًا صوتيًا”، لا بمعنى الفراغ، بل بوصفه نقطة اتزان تسبق اكتمال التمايز، لحظة استعداد يظهر منها الصوت دون أن ينغلق بعد في شكل نهائي، وتتجلى خصوصية النون في حضورها داخل بنية الكلمات: في بداياتها وأوساطها، وكذلك في نهاياتها عبر التنوين، وفي كل هذه المواقع، لا تعمل النون بوصفها إضافة مستقلة بقدر ما تعيد ترتيب البنية الصوتية وتوجيهها، كما يظهر دورها بوضوح في ظواهر مثل الإدغام، حيث تلتقي بأصوات أخرى فتتغير دون أن تختفي، وكأنها تتحول إلى قوة تنظيم داخلية تعيد تشكيل البنية من داخلها.
ومن هذا المنظور، لا تبدو النون صوتًا منفصلًا، بل أقرب إلى آلية انتقال بين حالات صوتية مختلفة، من الإمكان إلى التحقق، ومن التوازن إلى التمايز، ويتصل هذا الدور أيضًا بوظيفة التنوين، الذي لا يضيف مجرد علامة صوتية، بل يفتح المعنى على احتمالات متعددة تبقى رهينة بالسياق، بهذا المعنى تصبح النون علامة على لحظة توازن دقيقة تسبق اكتمال الدلالة، لحظة لا تزال فيها اللغة في حالة انفتاح قبل أن تستقر على معنى محدد.
وإذا نظرنا إلى اللغة من هذا المنظور، فإن الحروف لا تعود وحدات منفصلة، بل عناصر داخل نظام أعمق تحكمه العلاقات والتحولات أكثر مما تحكمه الثوابت، وهكذا تتحول النون من مجرد صوت إلى مفهوم بنيوي يساعد على فهم كيفية تشكل المعنى داخل اللغة، وكيف تنتقل الأصوات من حالة الإمكان إلى حالة التحقق، وفي هذا الأفق، يمكن النظر إلى اللغة كلها بوصفها نظامًا من التحولات المستمرة، تكون فيه النون إحدى أهم لحظات التوازن قبل تشكيل الدلالة النهائية.
مأمور أول مأمور جوك – باحث مستقل
بين الشكر والجحود
ليست كل القضايا العظيمة تبدأ بضجيج، فبعضها يولد من لحظة تأمل صادقة، من سؤال صغير يمرّ على القلب ثم يفتح أبوابًا واسعة من الفهم، وهذا المعنى تحديدًا من أكثر المعاني التي تمس الإنسان في عمقه، لأنه لا يتعلق بما نملك فقط، بل بكيفية رؤيتنا للحياة نفسها، فالفرق الحقيقي بين الناس لا يظهر دائما في أرزاقهم أو مناصبهم أو صور نجاحهم، بل يظهر في أرواحهم.
في قلبٍ ممتلئ بالشكر والرضا، وقلب أثقلته المقارنة والجحود والسخط، الإنسان الشاكر يعيش حالة مختلفة، حتى وإن لم تكن حياته كاملة، تراه مطمئنا على نحو عجيب، لا لأن الألم غائب عنه، بل لأنه يرى النعمة وسط النقص، ويرى فضل الله قبل أن يرى ما فاته، يشعر أن ما بين يديه ليس حقًا واجبًا على الحياة، بل عطية تستحق الحمد. ولذلك يكون أكثر هدوءً، وألين قلبا، وأقرب للرضا.
أما الجاحد فقصته أعمق من مجرد عدم قول “الحمد لله” لأن الجحود حالة داخلية تجعل الإنسان يرى ما ينقصه أكثر مما يرى ما يملكه، فيعيش قلقا دائما، وكأن روحه لا تصل إلى الاكتفاء مهما امتلكت، وربما لهذا نرى أناسا يملكون القليل لكنهم أكثر راحة، وآخرين يملكون الكثير لكنهم يعيشون تعبا لا ينتهي، إن الشكر ليس كلمة تقال بعد النعمة فقط، بل رؤية كاملة للحياة.
أن تدرك أن الله حين أعطاك شيئا فقد رحمك بأشياء لا تراها، وأنك لو أمضيت عمرك تعد ما أنعم الله به عليك لما استطعت الإحاطة به، فبعض النعم لا نشعر بقيمتها إلا حين نفقدها، وبعض الرحمة تأتي على هيئة منع، وبعض الأبواب المغلقة كانت نجاة لا ندركها إلا بعد زمن، ومن هنا يظهر الأثر الحقيقي للشكر على شخصية الإنسان، فالذي يعرف فضل الله عليه، يصبح أكثر قدرة على معرفة فضل الناس، يحفظ الود، ويتذكر الوقفة، ويقدر المعروف ولو كان بسيطًا، لأن الامتنان حين يسكن القلب، لا يتجزأ.
أما حين يضعف هذا المعنى، يبدأ الإنسان بفقدان أشياء كثيرة دون أن يشعر، يفقد لذة النعمة، وسكينة الرضا، وراحة الامتنان، فيصبح سريع التذمر، كثير الاعتراض، ينسى المعروف بسهولة، ويتذكر النقص أكثر مما يتذكر الخير الذي يغمر حياته، ومع ذلك، فالمقصود هنا ليس إصدار الأحكام على الناس، فالله وحده يعلم ما تخفيه القلوب، لكن الإنسان يحتاج أحيانا إلى لحظة صادقة يرى فيها نفسه بوضوح، أين أقف أنا؟ هل أعيش بعينٍ ترى النعم أم بعينٍ لا ترى إلا ما ينقصها؟ هل أحفظ جميل الناس كما أحاول طلب جميل الله؟ هل الشكر عندي عادة لسان… أم حالة روح؟
إن أعظم ما قد يصل إليه الإنسان ليس كثرة المال ولا اتساع المكانة، بل أن يعيش بقلب مطمئن، والطمأنينة غالبًا لا تولد من كثرة ما نملك، بل من قدرتنا على الشعور بقيمة ما نملك، وربما لهذا كانت بعض الأفكار حين تخرج من التأمل الصادق، تُفتح لها المعاني بطريقة مدهشة، وكأن الله يسوق للقلب فهمًا لم يكن يراه من قبل. فالكلمات التي تلامس الأرواح ليست دائمًا تلك المصنوعة بإتقانٍ لغوي فقط، بل تلك التي خرجت من شعورٍ حقيقي وتجربة وتأمل.
وفي النهاية، يبقى الإنسان بين طريقين، طريق الشكر الذي يملأ القلب نورًا وطمأنينة ووفاء، وطريق الجحود الذي يجعل الروح في صراعٍ دائم مهما امتلكت، ومن عرف كيف يشكر عرف كيف يعيش.
سامي الفاضل
حياة العصافير
انظرْ أبي
قد كانَ يَطْعمُ من يدي
لكنه .. ما عادَ يصدحُ في غدي
أهي العصافيرُ الرقيقةُ ..
يا أبي
حتماً تموت كما البشر ؟!
أهو الفراق حقيقةٌ منذ الأزل ؟
ماذا جني العصفورُ يا أبتي
ووليفةُ العصفور.. ماذا قد جنت ؟
انظرْ أبى ..
هي ذي تعاني سكرةَ الموتِ الأليمِ..
فأغمضتْ عينَ الحياةِ على عجلْ
هى لم تُطِقْ طَعْمَ الفراقِ لإلفها
فتدثرتْ بالموتِ تُخفِي حالَها
انظرْ أبي
أهي العصافيرُ الرقيقةُ .. يا أبي
حتمًا تموت كما البشر ؟!
أهو الفراق حقيقةٌ منذ الأزل ؟
- إيه .. ابنتى أبكيتِني .. أبكيتِني
رفقًا بقلبِك هوّني
"يا لحظةَ الجمرِ الدفينِ .. كفي اذهبي
لا توغري صدرَ الصغيرةِ بالأسى "
" إنى أخافُ على فؤادِ صغيرتي
من هولِ ما لم تحتملْ
إذ هالها ما هالها
والدمعُ من عينِ البراءةِ ..
ينهمرْ "
رفقاً بقلبِك يا ابنتي
رفقاً بقلبِك هوّني
لا تجزعي
لا تجزعي
فاللهُ يصنعُ ما أرادَ بملكه
والله يجزي من صَبَرْ
فلتسمعي لي يا ابنتي..
سأزُفُّ بُشرى فاسمعي
سترينه وترينها
إن شاء ربي فاسعدي
فتبسم الثغرُ الصغيرُ بدهشةٍ
يبدي اللآلئ فرحة :
- أتقول حقا .. يا أبي؟!
أأراهما ؟ .. أأراهما ؟
- إن شاء ربى يا ابنتي
سترينه وترينها
في جنةِ الفردوس عند مليكنا
ولتعلمي أن الفراقَ حقيقةٌ .. منذ الأزل
هو سُنّةٌ للهِ في أكوانه
وإليه حتمًا ..
نرتحل
الشاعر : أحمــد نصـر
رحيل مفاجئ
سوف يأتي عليك وقت تريد أن تبتعد، ليس ذلك هروبًا من الحياة ولكن لا يجاد مساحة تعيد لك اكتشاف ذاتك، تعيد لك تكوينك النفسي، لترى الأشياء بطريقة تحقق لك التوازن والتعايش مع الحياة بأقل الخسارات وتقبل الواقع ومتغيراته مع وضع حدود تحميك من انكسارات وخيبات أمل جديدة.
ابتعادك ليس رحيلًا مفاجئًا وإنما نتيجة خيبات أمل متكررة أجبرتك أن تأخذ هدنة مع نفسك، لتتجاهل كل ما يزعجك من وعود كاذبة، لتحرر بعض المشاعر من سجون الصمت، فقد أرهقك كتمان ما أنت بحاجة لقوله، فالقلب لم يعد يقوى على الاحتفاظ بعلاقات ترهقه، تحمله ما لا طاقة له به، فلم يعد هناك وقت لتقديم مزيد من التنازلات والتضحيات تجاه حياة لا يريدها، تجاه واقع غير الذي تمناه، فكفاك فعل أشياء لا ترغب بها، كون لم يعد لك الرغبة في الاستمرار مع قلوب فقدت القدرة على التفاهم والتعايش ومصرة على رؤية الحياة بلون واحد.
عصام كرم الطوخي: صحفي
مهرجان جرش
يعتبر مهرجان جرش للثقافة والفنون واحدًا من أهم المهرجانات الثقافية والفنية في العالم العربي، حيث يجمع بين عبق التاريخ وروعة الفن في مدينة جرش الأثرية بالأردن، تلك المدينة التي تحتضن حضارات عريقة تركت بصمتها على مر العصور، وقد أصبح المهرجان منصة سنوية يلتقي فيها الفنانون والمثقفون والشعراء من مختلف الدول العربية والعالم، ليقدموا أعمالهم أمام جمهور يعشق الفن والإبداع.
انطلقت فعاليات المهرجان لأول مرة عام 1981، ومنذ ذلك الحين استطاع أن يحجز مكانة كبيرة بين المهرجانات الدولية، لما يقدمه من تنوع ثقافي وفني يجمع بين الغناء والمسرح والشعر والفلكلور الشعبي والمعارض الفنية، كما يتميز بإقامة عروضه داخل المواقع الأثرية الرومانية، ما يمنح الحفلات أجواءً ساحرة تمزج الماضي بالحاضر. ويشهد المهرجان سنويًا مشاركة نخبة من كبار نجوم الغناء العربي، إلى جانب فرق موسيقية واستعراضية من مختلف أنحاء العالم، الأمر الذي يجعله نافذة للتبادل الثقافي والحضاري بين الشعوب، كما يولي اهتمامًا خاصًا بالمواهب الشابة، حيث يتيح لها فرصة الظهور أمام جمهور واسع وإبراز قدراتها الفنية، ولا يقتصر دور المهرجان على الجانب الفني فقط، بل يسهم أيضًا في تنشيط السياحة والاقتصاد في الأردن، إذ يستقطب آلاف الزوار والسياح سنويًا، مما يعزز الحركة التجارية والفندقية ويبرز الصورة الحضارية والثقافية للأردن أمام العالم.
لقد نجح مهرجان جرش للثقافة والفنون في أن يكون جسرًا يربط الشعوب العربية بثقافاتها وفنونها المختلفة، ورسالة تؤكد أن الفن قادر على نشر المحبة والسلام وتعزيز الحوار بين الحضارات، لذلك سيظل هذا المهرجان علامة مضيئة في تاريخ الثقافة العربية وملتقى للإبداع والجمال كل عام.
معاذ الطيب : مخرج سينمائي
الغربة والمغترب
الغربة ليست مجرد انتقال الإنسان من وطن إلى آخر، بل هي شعور عميق يختلط فيه الحنين بالأمل، والوحدة بالسعي من أجل حياة أفضل، فكم من إنسان حمل حقيبته مودعًا أهله وذكرياته، باحثًا عن فرصة عمل أو علم أو مستقبل يحقق له ولأسرته الاستقرار، لكنه اكتشف أن الغربة امتحان للمشاعر قبل أن تكون رحلة للمكان، والمغترب يعيش بين عالمين جسده في بلد جديد، وقلبه معلق بوطنه القديم، يستيقظ كل يوم على تفاصيل مختلفة لغة قد لا يتقنها، وعادات لم يعتدها، ووجوه لا يعرفها، ومع ذلك يحاول التأقلم، ويكافح بصمت حتى يثبت نفسه ويحقق أهدافه، وفي كثير من الأحيان يخفي آلامه خلف ابتسامة يرسلها لأسرته حتى لا يشعروا بثقل ما يعيشه.
ورغم قسوة الغربة، فإنها تصنع من الإنسان شخصية أكثر قوة واعتمادًا على النفس، وتمنحه خبرات واسعة ورؤية مختلفة للحياة، فالمغترب يتعلم الصبر، ويعرف قيمة الأسرة، ويشعر بمعنى الوطن الحقيقي عندما يبتعد عنه، لذلك نجد أن أبسط الأشياء التي كان يراها عادية في بلده تتحول في غربته إلى ذكريات ثمينة، صوت الأذان، تجمع العائلة، الأصدقاء، وحتى الشوارع القديمة. وقد ساهم المغتربون عبر التاريخ في دعم أوطانهم اقتصاديًا وثقافيًا، فهم سفراء لبلادهم في الخارج، ينقلون صورة شعوبهم وعاداتهم، كما يرسلون لأسرهم الدعم الذي يساعد على تحسين مستوى المعيشة، ولهذا يجب تقدير تضحياتهم والوقوف بجانبهم نفسيًا ومعنويًا، لكن تبقى الحقيقة الأهم أن الوطن لا يعوضه شيء، فمهما حقق الإنسان من نجاح في بلاد الغربة، يظل الحنين إلى أرضه وأهله يسكن قلبه، فالوطن ليس مكانًا نعيش فيه فقط، بل هو جزء من هويتنا وذكرياتنا وأماننا النفسي. ستظل الغربة تجربة تحمل الألم والأمل معا ألم البعد والفراق، وأمل النجاح وتحقيق الأحلام، أما المغترب فهو إنسان يدفع جزءًا من عمره وثمنًا من مشاعره من أجل مستقبل يراه أجمل له ولمن يحب.
خالد سالم
من أمراض القطط الشائعة
يعد سعار القطط من الأمراض الخطيرة التي تصيب الحيوانات، وينتج عن فيروس يهاجم الجهاز العصبي. ويمكن أن ينتقل المرض من الحيوان المصاب إلى الإنسان عن طريق العض أو الخدش، لذلك يجب الانتباه والتعامل بحذر مع القطط المريضة أو اكما تصاب القطط بالسعار غالبآ بعد تعرضها لعضة من حيوان مصاب، مثل الكلاب أو الحيوانات البرية، وبعد دخول الفيروس إلى جسم القطة، يبدأ بالتأثير على الدماغ والأعصاب، مما يؤدي إلى ظهور أعراض خطيرة.
ومن أهم أعراض سعار القطط العدوانية الشديدة، الخوف غير الطبيعي، صعوبة البلع، سيلان اللعاب، وعدم القدرة على الحركة بشكل طبيعي، وفي بعض الحالات قد تصبح القطة هادئة بشكل غير معتاد ثم تتدهور حالتها ، وللوقاية من هذا المرض يجب تطعيم القطط بانتظام ضد السعار، وعدم تركها تتجول في الأماكن التي توجد فيها حيوانات مصابة أو ضالة كما يجب غسل مكان العضة أو الخدش جيدا بالماء والصابون إذا تعرض الإنسان لهجوم من قطة يشتبه بأصابتها، ثم التوجه إلى الطبيب بسرعة، حيث تقوم الجهات البيطرية بإجراء الاسعافات الأولية والعلاج، بالإضافة أنها تعمل في كثير من الدول على نشر التوعية حول أهمية تطعيم الحيوانات والاهتمام بصحتها من أجل حماية الإنسان والمجتمع من هذا المرض الخطير.
د/ وفاء فتحي
وجديات
قُصَاصَاتُ الجَدّ
لَمْ يَكُ فِي بَلْدَتِنَا..
سِوَى هَذَا العَجُوزِ.. الهَرِمْ..
الَّذِي يُمْكِنُهُ..
أَنْ يَحْكِيَ حِكَايَتَنَا!
نَلْتَفُّ حَوْلَهُ.. نَسْمَعُ مِنْهُ..
قِصَّتَنَا..
كَيْفَ كَانَ أَبِي..
وَكَيْفَ كَانَتْ وِلَادَتُنَا!
كَيْفَ عَرَفَ أَبِي أُمِّي..
وَكَيْفَ كَانَ زِفَافُهُمَا..
حَدِيثَ كُلِّ قَرْيَتِنَا!
وَأَبِي.. الَّذِي نَعْرِفُهُ الآنَ..
كَمْ كَانَ صَبُوراً.. مُجْتَهِداً..
قَوِيَّ البَأْسِ.. شَامِخَ الرَّأْسِ..
مَهِيبَ الطَّلْعَةِ..
فِي طَلَّتِهِ.. حِكَايَاتُ الأَمْسِ وَالغَدِ!
وَسِنِيناً بَاتَتْ تَعْدُو.. دُونَ أَنْ نَدْرِي..
كَيْفَ بَدَأْنَا..
وَكَيْفَ ذَهَبْنَا المَدَارِسَ.. أَوَّلَ مَرَّةٍ..
كَانَ قَاسِياً.. حَتَّى مَعَ نَفْسِهِ..
كَانَ رَحِيماً.. لِكُلِّ مَنْ عَرَفَهُ..
عِمْلَاقاً.. فِي مَحَبَّتِهِ!
كَانَ هَذَا الشَّخْصُ..
الَّذِي وَرِثْتُ عَنْهُ.. أَجْمَلَ مَا كُنْتُ..
صِرْتُ عَنِيداً.. ذَكِيّاً مِثْلَهُ..
فَصِيحاً.. رَحِيماً..
لَا أَحْمِلُ حِقْداً لِأَحَدٍ!
وَعِنْدَمَا أَغْضَبُ.. أَكُونُ بُرْكَاناً..
يَخْطُو عَلَى الأَرْضِ..
يُخْمِدُ حَرِيقَهُ.. ابْتِسَامَةُ أَبِي..
وَعُيُونُ أُمِّي!
كُنْتُ أَصْمُتُ دَوْماً.. عِنْدَمَا يَحْكِي لَنَا..
هَذَا العَجُوزُ.. "جَدِّي".. تِلْكَ القِصَصَ..
وَأَسْأَلُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَنْ يُعِيدَهَا..
وَنَحْنُ حَوْلَهُ.. أَلْفَ مَرَّةٍ وَمَرَّةٍ!
وَحِينَ كَبِرْتُ.. وَامْتَدَّتْ بِي الأَعْوَامُ..
كُنْتُ أَشْعُرُ حِينَهَا..
أَنِّي مِصْبَاحٌ خَافِتٌ.. يَتَلألأُ ضَوْؤُهُ يَتَوَهَّجُ..
بِجِوَارِ ذَاكَ الشَّامِخ!
كُنْتُ أَسْتَشْعِرُ أَنْفَاسَهُ.. رَغْمَ وُجُودِ المَسَافَاتِ..
أَتَذَكَّرُ كَيْفَ أُحَاوِرُهُ..
أُذَكِّرُهُ بِكُلِّ القُصَاصَاتِ الَّتِي..
كَتَبَهَا جَدِّي فِي قَلْبِي!
وَالآنَ.. حِينَ أَخُطُّ حَرْفِي..
أُدْرِكُ أَنَّ القَلَمَ..
لَيْسَ إِلَّا.. مِيرَاثَ الصَّمْتِ..
فِي حَضْرَةِ جَدِّي!
أَنَا القُصَاصَةُ الأَخِيرَةُ..
الَّتِي نَسِيَ "ذَاكَ الهَرِمُ" أَنْ يَرْوِيَهَا..
فَصِرْتُ أَرْوِي نَفْسِي.. بِنَفْسِي!
وَبَيْنَ كَفِّي.. وَثَغْرِهِ فِي المَشْفَى..
أَطْعَمْتُهُ "الآهَ".. وَأَطْعَمَنِي "اليَقِينَ"!
فَرِيد فُؤَاد: شَاعِرُ المَلَائِكَة