نافذة مشرعة

عواصف مقبلة على الأمن الغذائي العالمي...؟

24 مارس 2021 المصدر : •• سيباستيان أبيس -- ترجمة خيرة الشيباني تعليق 97 مشاهدة طباعة

   أدت جائحة كوفيد-19 إلى تفاقم الوضع الغذائي لأكثر الناس هشاشةً على هذا الكوكب منذ عدة أشهر. ويمكن أن يزداد هذا الاتجاه مع تفاقم الأزمة الاقتصادية. علاوة على ذلك، إذا انكمش العرض الزراعي في العالم، فسيكون هناك خطر محتمل عام 2021. وتظهر عديد الأسئلة الاستراتيجية على المدى القصير والمتوسط.
الموازين الزراعية والغذائية العالمية هشة هيكلياً
  دعونا أولاً نذكّر ببديهية تاريخية: الزراعة والغذاء عاملان من عوامل السلام. يتطور عدم الاستقرار الجيوسياسي والصعوبات البشرية عندما يغيبان -على مساحة، في فترة، او في عائلة “1”. ومن آلاف السنين، على جميع الكائنات الحية أن تطعم نفسها، ولا أحد ينجو من هذه الضرورة. وإذا كان لا يجب ترك المنتجات البحرية خارج المعادلة الغذائية، فإن منتجات الارض هي التي، أولاً وقبل كل شيء، توفر الأمن الغذائي.
   تضاعف عدد سكان العالم في الخمسين سنة الماضية. المزيد من الأفواه لإطعامها، ومزيد الطلبات من هؤلاء المستهلكين. وأدى انفجار الطبقات الوسطى بين تسعينات القرن الماضي إلى عام 2010، إلى تعزيز التبعيات العابرة للقارات، خاصة أن المجتمعات، العاشقة للحرية، تريد الوصول إلى كل شيء وعلى مدار العام. لذلك يجب تقريب العرض من الطلب، حيث أن قلة من المناطق تمكنت من إنتاج كميات كبيرة من الغذاء.
   ولئن كانت الزراعة موجودة في جميع البلدان، فإن الأحجام والأصناف الزراعية غير متجانسة للغاية، ولذلك شهدنا عولمة النظم الغذائية لإرضاء المستهلكين. وبينما يبقى 90 بالمائة من الغذاء في بيته، وفي بلد حصاده أو إنتاجه، فإن الباقي يتم تدويله. بالنسبة لبعض المنتجات (الفواكه الاستوائية، الحبوب، السكر، فول الصويا، القهوة، الكاكاو، الزيوت، التوابل، الحليب، إلخ)، يكون الطريق الى الأسواق العالمية أكثر أهمية، لأن القليل من المناطق تزرعها، ولكن الكوكب كله يستهلكها.

ديناميات مقلقة حاليا
   عام 2020، كان الوضع متضاربًا بشكل عام، رغم أنه يتحتّم علينا دائمًا التأكيد على الفوارق الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية التي تقسّم العالم في أدائه الزراعي واتجاهات الاستهلاك.
   من ناحية، هناك عرض زراعي قوي، بفضل المحاصيل العالمية المواتية عام 2019 والنصف الأول من عام 2020، وقلة عدد الحوادث المناخية، والاستقرار النسبي في الأسعار والتجارة الدولية للمنتجات الزراعية الأساسية. وتجدر الاشارة هنا، الى أن المزارعين والشركات في القطاع لم يتم فرض الحضر الصحي الشامل عليهم، ولكن في مقدمة المعركة الإنتاجية لتزويد السكان بهذه السلع الأساسية.
   في المقابل، منذ صيف عام 2020، ضاقت الأسواق، وكان التضخم في المنتجات الأساسية كبيرًا، لا سيما في السكر والزيوت والحبوب. وارتفع مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء العالمية بنسبة 27 بالمائة بين أبريل 2020 ومارس 2021. وهو في أعلى مستوى له منذ عام 2014. وترتبط هذه الزيادة على وجه الخصوص بالمشتريات الضخمة التي قامت بها الصين، ولكن أيضًا بالبلدان العديدة التي يتحتّم عليها اللجوء إلى الواردات لبناء أمنها الغذائي.
   وعندما ترتفع الأسعار، تزداد التكاليف اللوجستية والشحن البحري ويزيد شبح حظر التصدير من قبل بعض الدول الزراعية لحماية أسواقها المحلية، ويكون رد فعل العديد من المشترين هو ... زيادة التسوّق قبل نفاد المنتجات، أو ان تصبح فاتورة تلك الواردات عبئا واستحالة على الميزانية. بالإضافة إلى ذلك، هناك ظروف مناخية أقل ملاءمة للمحاصيل، وتأثيرات أزمة الوباء على قنوات التوزيع، المحلية أو الإقليمية، ناهيك عن تعبئة اليد العاملة التي تنعدم أحيانًا.
    في الطرف الآخر من السلسلة، اهتز المستهلكون بسبب أزمة فيروس كوفيد -19. مع في البداية، تحدي الجوع، الذي يصيب واحدًا من كل تسعة من سكان العالم، ويتطلب تعبئة إنسانية مستمرة. بدليل انه، عام 2020، مُنحت جائزة نوبل للسلام لبرنامج الغذاء العالمي. وقد ذكّر مديرها العام في الأيام الاخيرة، بأنّ الجوع يقتل كل يوم أكثر بكثير من فيروس كورونا، وأن أفضل لقاح ضد هذه المأساة هو الغذاء.
   كم عدد الأشخاص المحرومين من تنقلهم ووظائفهم ودخلهم، ويغرقون الآن في انعدام الأمن الغذائي؟ يقدر تقرير حديث، أن أكثر من 160 مليون شخص قد وقعوا في الفقر المدقع والجوع نتيجة لـ كوفيد-19 “2”. دعونا لا ننسى أن الفقر يؤدي دائمًا إلى الجوع أو انعدام الأمن الغذائي. وينطبق هذا الواقع العالمي على أوروبا أو فرنسا، حيث زاد عدد الأشخاص المعرضين للهشاشة الغذائية مع أزمة كوفيد -19. واستفاد حوالي 2.1 مليون فرنسي من المساعدات الغذائية “3” منذ بداية عام 2021 ونصفهم بدأ في تلقيها قبل أقل من عام، و20 بالمائة منهم للمرة الأولى منذ هذا الشتاء 2020-2021.

افكار استشرافية
  يجب وضع ثلاثة اعتبارات من أجل نظرة ابعد في الزمن من الأشهر القليلة المقبلة.
1 -على عكس عام 2020، لا شيء يقول ما إذا كانت التوازنات الرئيسية للنظام الزراعي والغذائي العالمي يمكن أن تتعطل في حال حدوث وباء جديد غدًا: تحليل المتغيرات، يجعل من الممكن رسم عدة سيناريوهات متناقضة إذا كان علينا مواجهة عودة ظهور فيروس “4”. في قطاع المعيشة، في الزراعة كما في الصحة، لا يكون شكل الأزمات هو نفسه أبدًا، وتوجد دورات طويلة تتجاوز التقلبات الدورية. أليس كوفيد-19 تذكيرًا قويًا حتى نتمكن من التمييز أكثر بين الأساسي وغير الضروري، وبالتالي معرفة كيف نتبيّن بانتظام وثبات اي رهانات تخترق العصور والتي هي شاغلنا المشترك على أساس يومي؟
2 -لا يوجد بلد ينزع سلاحه على الجبهة الزراعية، بل إن البعض (الصين وروسيا والولايات المتحدة) يجعلون من هذا القطاع محورًا مركزيًا للمرونة الداخلية والتأثير الخارجي. وأزمة فيروس كوفيد-19 أيقظت حتى الدول التي قللت من قيمته. وفي المناقشات الساخنة الحالية حول السيادة والاستقلال الاستراتيجي لأوروبا أو فرنسا، يعتبر الغذاء أحد الأولويات. وهذا يضع الزراعة على رأس الاجندات في هذه القارة التي نؤكد، ان الأمن الغذائي فيها هو الأكبر إذ تم بناؤه منذ أكثر من نصف قرن على أساس تنظيم مشترك للأسواق والقواعد والامكانات الاقتصادية. فهل سيعزز كوفيد-19 أهمية السياسة الزراعية المشتركة، التي يتوقف عليها امن نصف مليار مستهلك أوروبي؟
3 -ولما كان المشهد الصحي والاجتماعي -الاقتصادي الحالي غير واضح، فهناك خطر حقيقي يتمثل في زيادة الهشاشة الغذائية في الأشهر أو السنوات القادمة. نحن نتحدث هنا عن مليار شخص ستكون معركة حياتهم اليومية قبل كل شيء، القدرة على تناول الطعام. من جهة اخرى، لا يزال نصف سكان العالم ينفقون أكثر من نصف دخلهم على الغذاء، وعلى الصعيد العالمي، قلة هي التي تستطيع مناقشة الجودة المطلقة للمنتجات التي تستهلكها. لذلك لا يزال الوصول والسعر يحددان سلوك العديد من الأشخاص.
 ومع ذلك، فإن الأكل الجيد، كماً ونوعاً، هو أحد أفضل الطرق لبناء صحة طويلة الأمد.
   فكيف نعزز الوصول إلى الغذاء الجيد للجميع غدًا؟ وينطبق نفس الشيء على الزراعة: الإنتاج بطريقة أفضل يساعد في بناء قدرة النظم البيئية على الصمود على المدى الطويل، وبالتالي القدرة على توفير غذاء صحي ومستدام. كيف نستمر في الإنتاج مع إصلاح الكوكب؟ ورشة كبيرة، جعلتها أزمة فيروس كوفيد-19 أكثر تعقيدًا بشكل رهيب.       

——————————————————–
«1» أبيس (سيباستيان) و بلان (بيير)، الجغرافيا السياسية للزراعة ، سلسلة “40 بطاقة مصورة لفهم العالم” منشورات ايرولاس- معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية ، 2020 .
«2» باكيدانو (فيليكس) وكريستنسن (شيريل) وفالديس (كونستانزا) وأبرهي زرييسوس (يعقوب). “ورقة عمل كوفيد-19: التقييم الدولي للأمن الغذائي، 2020-2030: تحديث كوفيد-19 وتأثيراته على الغذاء وانعدام الأمن”. وزارة الزراعة الأمريكية، خدمة البحوث الاقتصادية، يناير 2021.
«3» معهد التسويق ودراسات الرأي، “بنوك الطعام : صورة المتلقين للمعونة الغذائية”، دراسة معهد التسويق ودراسات الرأي، 23 فبراير 2021.
«4» أبيس (سيباستيان) وبرون (ماتيو) ولو لاي (أيميريك). “كوفيد-14: سيناريوهات لعالم الزراعة والغذاء المناعي؟”، منشورات سيباستيان أبيس. لو ديميتر 2021. منشورات معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية، 2021. ص. 25-39
*باحث مشارك في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية، مدير نادي ديميتر.


 

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اضف تعليق

 تعالوا نقرأ فى كتاب الكون
  24 يونيو 2017        62 تعليق      18811 مشاهده
الإمارات تدعم مطار عدن بأجهزة ومولدات كهربائية
  8 أغسطس 2019        18 تعليق      9397 مشاهده
نور العقل ونور القلب يتجاذبان
  27 مايو 2017        8 تعليق      20416 مشاهده
 المفكر الإسلامي زين السماك يرحل عن عالمنا
  12 أبريل 2020        6 تعليق      1881 مشاهده
محمد بن راشد يستعرض مع أمير قطر العلاقات الأخوية بين البلدين
 30 أكتوبر 2013        تعليق      78344 مشاهده
كيف تعرفين إذا كان زوجك يحبك أم لا؟
 19 يناير 2014        تعليق      70707 مشاهده
شركات تبيع الوهم باسم الـ تايم شير
 25 ديسمبر 2012        تعليق      45558 مشاهده
دخول تركيا إلى سوريا عقد الأزمة.. أمريكا تتورط أكثر
 31 أغسطس 2016        تعليق      44375 مشاهده

موضوعات تهمك

18 مايو 2021 تعليق 26 مشاهده
ترامب يضع بيادقه وهذا أمر مقلق...!
17 مايو 2021 تعليق 53 مشاهده
حزب الكذبة الكبرى...!
16 مايو 2021 تعليق 143 مشاهده
آراء الكتاب
16 مايو 2021 تعليق 89 مشاهده
ترامب الهند…!