آراء الكتاب
مساحة نستعرض فيها الأفكار والإبداع بهدف إثراء الحياة الثقافية يعبر القارىء فيها عن رأيه ولا يمثل وجهة نظر الصحيفة نتلقى مشاركتكم عبر الايميل abdalmaqsud@hotmail.com
المشاركة المجتمعية
إن الالتفاف المجتمعي من قبل أفراد المجتمع والمستثمرين وقت الأزمات الكبرى، هو من باب رد الجميل والعرفان، فمرور أكثر من عشرين عاماً في دولة الإمارات لا يمحوها أزمة سرعان ما تنقشع وتزول ويبقى الوطن شامخاً ورايته عالية خفاقة، وهذه الأزمة ليست أول أزمة تمر على الإمارات، فقد سبقتها كورونا وتحملت القيادة الرشيدة الكثير، حتى خرجت الدولة أكثر من ذي قبل.
كما أن المشاركة في المبادرات المجتمعية بهدف نشر الطمأنينة بين صفوف أفراد المجتمع، وعلى كل المستثمرين أن يعبروا عن حبهم وتمسكهم بوطن غال فتح لهم آفاق الاستثمار ووقف على مسافة واحدة من الجميع، وهيأ لهم كل سبل النجاح وخلق مناخا مناسبا للعمل، وسن قوانين وتشريعات من شأنها الحفاظ على الانضباط في سير العمل، بالإضافة لتذليل كل الصعاب أمام المستثمر، وتقليص الإجراءات في عملية سهلة وبسيطة، فكل هذه الأمور تزرع في نفوسنا مفهوم المواطنة، وأن عشرين عاماً كفيلة أن تحفر في القلوب معاني الانتماء والولاء لبلد منحنا الفرصة للنجاح، فعلينا رد الجميل والوقوف في الصفوف الأولى مع الجنود، لأن الدفاع عن الوطن يتطلب الوقوف لحماية الجبة الداخلية والمشاركة في بناء المجتمع وتوفير الإمدادات لتفعيل مفهوم التكافل والتعاون مع المجتمع.
حمادة الجنايني
من يملك أهدافاً يجد لحياته معنى
غياب الهدف في الحياة يجعل الاضطراب رفيقك الدائم، يتغلغل في داخلك ويظهر جليًّا في تصرفاتك وعلاقاتك بالآخرين. وحين تُترك بلا تخطيط، تصبح أسيرًا لأفكار سوداوية تصنع لك سجنًا ضيقًا من صنع يديك. تفقد البصيرة، وتتحول إلى أداة في يد غيرك، خاضعًا لقراراتهم كأنهم يتحكمون في مصيرك، لأنهم هم من يرسمون الطريق.
أما الإنسان الحرّ، المستقل، فهو الذي يسير على درب مرسوم بوضوح. يحدد هدفه، ويضع له إطارًا زمنيًا مناسبًا، مدركًا أن بعض الأهداف قد تبدو بعيدة، لكنها ليست مستحيلة، وأن حسن الاختيار والتخطيط هو ما يجعلها قابلة للتحقيق. فالسعي وراء الأهداف يمنحك الثقة بالنفس، ويزيد من شعورك بالقوة، ويرفع من قيمة ذاتك يومًا بعد يوم. حين تعرف ما تريد، وأي طريق تسلك، تصبح أكثر إيجابية، وأقدر على مواجهة التحديات وتجاوز العقبات.
صاحب الهدف الواضح يرى الأمور بمنظار مختلف. يعرف كيف يميز بين ما هو مهم، وما لا علاقة له بنجاحه. ولهذا تجد من يملكون أهدافًا واضحة أكثر تحكمًا في حياتهم، وقراراتهم، واتجاهاتهم، يتصرفون بوعي، وبحكمة، وبدراية.
انطلق من مراجعة أفكارك، وركز على المقياس الحقيقي لنجاحك، وتخلّص من نقاط ضعفك، فإن في ذلك بداية جديدة تُخرج منك طاقات لم تكن تعلم بوجودها. المثابرة والتطوير واستبعاد الشك والمخاوف والمشاعر المتقلبة، هو ما يقودك للثبات والإبداع. فتذكّر أن ظروفك تخصك وحدك، ومعاناتك وسعادتك ينبعان من داخلك أنت، إن من يسمو بأفكاره، ويحلم برؤى جميلة، ويستثمر طاقاته الكامنة، هو من يحقق الإنجاز الحقيقي ويصنع فرقًا في الحياة.
عصام كرم الطوخي : صحفي
عقارب تتراجع
عندما بدأت عقارب الساعة تتراجع، لم يعد الماضي مجرد ذكرى… بل فرصة لإعادة كتابة النفس، ومواجهة كل ما فات بروح مستيقظة، دقّت الساعة الثامنة مساءً، ولم يتحرّك القطار كعادته. انتظرت دقائق، ثم نصف ساعة؛ لا خبر ولا اعتذار. صمتٌ ثقيل تولّد منه ملل وسخط، ارتسما على خطوط جبينها. وكأن الزمن نفسه توقف عن الحركة، متسائلًا: هل نحن نعيش أم أنّنا مجرد ركاب على قطاره؟
تحقّقت من عقارب ساعتِها، فاعتلت الدهشة وجهها الطفولي. كانت العقارب تعود إلى الوراء بسرعة رهيبة. ركّزت النظر جيدًا، فانصدمت: الزمن توقّف. حبست أنفاسها كأنّه جاثوم، متسائلة عن حقيقة ما يحدث: هل هذا مجرد وهم أم فرصة؟ فركت عينيها؛ لا بدّ أنّ هذا نتيجة تعبهما من قلّة النوم، فمنذ ثلاثة أيام لم يغمض لها جفن، وقد أخذ منها الإرهاق مأخذه، سألت السيّدة التي بجوارها:
— أيّ يوم نحن؟ تحدّثت العجوز بهدوء، متأمّلة تقاسيمها الذابلة:
— السابع من شهر تموز، ألفان واثنان وعشرون.
انطلقت منها شهقة، واسترسلت العجوز بصوت عميق مطمئن:
— لا تفزعي، عزيزتي. لقد أخذتِ قطار العودة إلى الزمن. القدر رحمك ومنحك فرصة لتصحيح الماضي. دون أدنى شك، عانيتِ كثيرًا نتيجة قرار اتّخذتِه في مثل هذا اليوم.
شحبت ملامحها، وتراقصت جل ذكرياتها. إنه اليوم الذي اعتقدت أنّه يوم ميلادها الجديد؛ يوم وافقت على عرض زواجه دون تردّد. كان حلمها: الجمال، المال، السلطة… ذلك الثلاثيّ الرهيب، مفتاح القوّة والشهرة والرفعة. لم تعلم أنّه الجحيم، وسرّ العذاب الذي يعقبه الندم. وهنا يبرز السؤال: هل نختار أحلامنا بحرية أم أنّها أحيانًا أقنعة تفرضها علينا الحياة؟
تطلّعت إلى وجه العجوز التي أغدقتها بابتسامة دافئة:
— حان الوقت، عزيزتي، لتصويب مسار أمورك.
تدفّقت كلماتها كالسيل:
— كيف حدث هذا؟
أجابتها بنفس الرزانة:
— هناك أشياء لا ينبغي أن تسألي عنها. تقبّليها كما هي، عزيزتي. بما أنّها مُنحت لك، فاعتبريها هدية. لكلّ شيء سبب ومسبّبات. افتحي قلبك وعقلك، تنفّسي بعمق، ودعي التدفقات الكونية تتسلّل إلى روحك، لتمسح الألم وتجدد طاقتك وإيمانك. فالحياة ليست مجرد أحداث نتلقاها، بل فهم لحكمة وراء كل ما يبدو عبثيًا. حان وقت نزولك… ولا تلتفتي وراءك.
غمزتها واختفت.
نزلت من القطار، متّجهة إلى موعد لقائهما المبرمج في ذلك اليوم من تلك السنة. لن تسمح بتكرار الألم. الآن نضجت؛ لن تغريها المفاتن البائسة. ستغيّر الوضع، وتنقذ نفسها من المذلّة، الخيانة، والتحقير. وأدركت أنّ القوة الحقيقية ليست في المال أو الجمال أو السلطة، بل في وعي الذات وإدراك حدودها، في القدرة على الاختيار الواعي.
فلديها كلّ المؤهلات لتكون ناجحة، سيّدة نفسها، وأن تشكّل مسارها بقدراتها وإيمانها. الحياة ليست مسارًا مفروضًا، بل هي رحلة تدرك فيها كل امرأة أنّ الماضي مرآة، والحاضر فرصة، والمستقبل صناعة بوعيها.
منى بنحدو : كاتبة
رسالة
كتبت رسالة قالت فيها: أستاذي.. أحبك حباً لا يدانيه حب في العالم، أجلس في الفصل شاردة حين تكون مستغرقاً في شرح الدرس اتفحص كل شيء فيك بدءا من الحذاء اللامع إلى شعر رأسك المشوب باللون الأبيض، مرورا بالبنطلون الشيك والقميص المغلق من أعلى بالكرافت الرائعة والجاكت الذي يظهر وجهك البشوش دائما.
تظهر أهمية الرسالة بالتحديد لأن حاملها هو الرجل الذي يريد التقدم لخطبتها والزواج بها الأهم من ذلك أنها ختمت الرسالة بهذه العبارة، حامل هذه الرسالة هو الذى تريده أمي زوجاً لي.
سامي سرحان: عضو اتحاد كتاب مصر
الكرسي الفارغ
في زاوية المستشفى القديم، جلست امرأة مسنّة على كرسي خشبي، ينتظرها الوقت كما لو كان خصماً صامتاً، لم يكن الكرسي فارغاً فحسب، بل كان يحمل كل الذكريات التي لم تُروَ… كل الوجوه التي رحلت، وكل الكلمات التي لم تجد طريقها إلى السمع، كانت تحدق في الباب طويلاً، كأنها تنتظر أحداً يعرف الطريق إليها، لكن الباب ظل صامتاً مثل قلب أُغلق منذ زمن.
قبل سنوات، كان هناك طفل يضحك على السلالم، وكانت يداها تحتضنه بعنفوان الحياة، ثم صار طفلين… ثم ثلاثة، وكانت تظن أن البيت الذي امتلأ بأصواتهم لن يعرف الصمت أبداً، لكن الزمن… له عاداته القاسية، كبر الأطفال، امتلأت حياتهم بالأعمال والبيوت والمدن البعيدة، وصار صوتها في الهاتف مجرد ذكرى قديمة لا يتسع لها الوقت، في البداية كانت تنتظرهم كل مساء. ثم صارت تنتظر اتصالاً، ثم رسالة، ثم… صارت تنتظر فقط، يقول بعض الممرضين إن عقلها لم يعد كما كان، يقولون: إنها أحياناً تضحك وحدها، وأحياناً تحدث السماء كأنها صديقة قديمة، لكن السماء وحدها كانت تعرف الحقيقة، كانت المرأة لا تحدث السماء جنوناً... بل لأنها لم تجد على الأرض من يسمع. في ذلك المساء، جلس شاب بجانبها، كان يحمل نظرة حزن تشبه شيئاً ضائعاً في صدره نظر إليها قليلاً ثم سأل بصوت خافت: هل أنتِ وحيدة؟ ابتسمت… وكانت تلك الابتسامة أثقل من الدموع. قالت بهدوء يشبه التعب الطويل: لا يا بني… الوحدة ليست ألا يكون لك أحد…الوحدة أن يكون لك الجميع… ثم لا يبقى أحد. ساد صمت قصير...ثم رفعت عينيها إلى السماء التي تظهر من النافذة وقالت: لكني تعلمت شيئاً بعد عمر طويل…الألم لا يُشفى بالانتقام… بل بالرحمة، نظر إليها الشاب باستغراب، أكملت بصوت هادئ، ودمعتان تنحدران ببطء فوق وجنتيها: أولادي لم يعودوا… وربما لن يعودوا، لكن قلبي لا يعرف كيف يكرههم…الأمومة يا بني مرض جميل… لا يشفى حتى بالخذلان. جلس الشاب صامتاً… كأن كلماتها فتحت في قلبه باباً لم يكن يعرف أنه مغلق، قالت له وهي تبتسم ابتسامة صغيرة، كأنها آخر ما تبقى من نورها: لا تدع الحياة تقسو بك حتى تنسى الرحمة… فالإنسان لا يُقاس بما يأخذه من العالم… بل بما يتركه فيه من دفء. ثم صمتت، ظل الشاب جالساً بجانبها، يظن أنها غرقت في التفكير. لكن الممرضة التي مرت بعد دقائق توقفت فجأة، اقتربت…وضعت يدها على كتف المرأة… ثم همست بصوت منخفض: لقد رحلت، كانت المرأة ما تزال جالسة على الكرسي، وابتسامتها الهادئة لم تختفِ، وكأنها أخيراً وجدت ذلك السلام الذي انتظرته طويلاً، أما الشاب… فجلس بجانب الكرسي الفارغ بعد أن حملوا جسدها بعيداً، ونظر طويلاً إلى السماء نفسها التي كانت تحدثها، وفي تلك اللحظة فهم شيئاً بسيطاً… لكنه عميق جداً:أن بعض الناس يعيشون كل أنواع الألم… لكنهم يرحلون وهم يتركون خلفهم أعظم ما يمكن أن يتركه إنسان في هذا العالم، الرحمة.
هبا غزالة : كاتبة
السكينة… حين يهدأ الداخل
ليست السكينة غياب الضجيج من حولنا، بل غيابه من داخلنا، قد يبقى العالم كما هو:
صاخبًا ، متسارعًا ، مملوءاً بما يربكنا، ومع ذلك نشعر بشيءٍ مختلف، كأن القلب تعلّم أخيرًا كيف يجلس بهدوء وسط كل هذا الازدحام، السكينة لا تأتي فجأة، بل تتسلّل بعد معارك طويلة خضناها مع أنفسنا ، بعد ليالٍ من التفكير، بعد أسئلة لم نجد لها إجابة، وبعد لحظات ظننا فيها أننا لن نهدأ لكنها، بطريقة ما تصل، لا كحلٍّ لكل شيء ، بل كقبولٍ هادئ لما هو كائن.
في السكينة لا تختفي المشاكل لكنها تفقد حدّتها، لا يتوقف الألم ، لكنه لا يعود مسيطرًا .كأن الإنسان يتعلّم كيف يحمل ما يؤلمه دون أن ينكسر تحته، السكينة ليست ضعفًا، بل قوّة ناعمة، قوّة أن لا تردّ على كل شيء ، أن لا تنفعل مع كل موقف، أن تختار صمتك في الوقت الذي كان صوتك فيه قادرًا على إشعال الكثير، إنها حكمة تُولد حين ندرك أن بعض المعارك لا تستحق أن نخوضها من الأساس، ولعل أجمل ما في السكينة ، أنها لا تحتاج إلى أسباب كبيرة، قد نجدها في لحظة صمت ، في دعاءٍ خافت، في ابتسامة غير متوقعة، أو حتى في تعبٍ علّمنا أن نبطئ قليلًا، إنها لا تُشترى، ولا تُنتزع، بل تُمنح لمن تعلّم كيف يخفّف من ثقل نفسه. السكينة هي أن تصل إلى مرحلة لا تبحث فيها عن إثبات شيء لأحد ، ولا تحتاج إلى تبرير كل ما تشعر به، أن تكون كما أنت، دون خوفٍ من أن لا تُفهم، السكينة ليست نهاية الطريق، بل استراحة صادقة فيه، ومن عرف كيف يستريح بصدق، عرف كيف يُكمل دون أن يضيع من نفسه .
الصحفي حيدر فليح الشمري
نشأة جائزة أوسكار
تأسست جائزة أوسكار عام 1927 في الولايات المتحدة بهدف دعم وتطوير صناعة السينما، وفي عام 1929، أقيم أول حفل لتوزيع الجوائز في فندق روزفلت بمدينة هوليوود، وكان حدثًا بسيطًا حضره نحو 270 شخصًا فقط، واستغرق أقل من 15 دقيقة، وفي ذلك الحفل الأول، تم تكريم الأفلام التي أُنتجت بين عامي 1927 و1928، وكانت الجوائز تُمنح في عدد محدود من الفئات مقارنةً بما هو عليه الحال اليوم. وتُعد جائزة الأوسكار، من أرفع الجوائز السينمائية في العالم، حيث تمثل قمة الاعتراف الفني والاحتراف في صناعة السينما، وعلى مدار ما يقرب من قرن، أصبحت هذه الجائزة رمزًا عالميًا للإبداع والتميّز، كما يتطلع إليها الفنانون وصنّاع الأفلام من مختلف أنحاء العالم. مع مرور السنوات، شهدت الأوسكار تطورًا كبيرًا على مستوى التنظيم والفئات والتأثير الإعلامي، ففي أربعينيات القرن الماضي، بدأ بث الحفل عبر الإذاعة، ثم انتقل إلى التلفزيون في الخمسينيات، ما ساهم في انتشاره عالميًا، وأُضيفت فئات جديدة مثل أفضل فيلم أجنبي، وأفضل مؤثرات بصرية، وأفضل فيلم رسوم متحركة، لتواكب تطور الصناعة السينمائية، وأصبحت المنافسة أكثر شراسة مع توسّع الإنتاج العالمي ودخول تقنيات حديثة غيرت شكل السينما.
أما التمثال الشهير الذي يعرف باسم "الأوسكار"، هو تمثال ذهبي لفارس يحمل سيفاً ويقف على بكرة فيلم، يبلغ طوله نحو 34 سم ويزن حوالي 3.8 كيلوجرام، وعلى الرغم من شهرته، فإن أصل تسمية "أوسكار" لا يزال محل جدل، حيث توجد عدة روايات حول مصدر الاسم، من أشهرها أنه سمي على اسم قريب لأحد العاملين في الأكاديمية. ورغم المنافسة من منصات البث الرقمي، لا تزال الأوسكار تحافظ على مكانتها كأهم حدث سنوي في عالم السينما، حيث يجتمع الفن، والتاريخ، والنجومية في ليلة واحدة ينتظرها الملايين حول العالم. ومن أهم اللحظات التي بقيت في ذاكرة الجمهور، فوز فيلم Titanic بـ 11 جائزة عام 1998، فوز فيلم The Lord of the Rings: The Return of the King بـ 11 جائزة عام 2004، فوز فيلم Parasite كأول فيلم غير ناطق بالإنجليزية يحصد جائزة أفضل فيلم عام 2020.
معاذ الطيب : مخرج سينمائي
اللغة: انتظام الصوت في بنية مشتركة
إذا كان الصوت بداية تحقق المعنى، فإن اللغة هي البنية التي تمنح هذا التحقق استقراره وقابليته للفهم المشترك، في مقالات سابقة، اقتربنا من الصمت بوصفه أفق الإمكان، ثم من الصوت بوصفه أول تحقق للمعنى، غير أن هذا التحقق، في ذاته، يظل عابرًا: يظهر الصوت ثم ينقضي، ويتشكل ثم يتلاشى. فكيف يمكن للمعنى أن يستقر؟ وكيف ينتقل من لحظة فردية إلى أفق مشترك؟ ليست اللغة مجرد كلمات نتداولها، ولا أصواتًا متجاورة، بل هي انتظامٌ للصوت داخل بنية تتجاوز لحظته العابرة. فالصوت، إذا تُرك لذاته، يظل متفرقًا لا يُبنى عليه. أما حين ينتظم، فإنه يدخل في شبكة من العلاقات تمنحه قابلية الاستمرار، ويغدو جزءًا من نظام يمكن فهمه وإعادة إنتاجه، بهذا المعنى، لا تأتي اللغة بعد الصوت زمنيًا فحسب، بل بنيويًا أيضًا. إنها الشرط الذي يجعل الصوت قابلًا لأن يُدرَك بوصفه معنى، لا مجرد أثر، فحين ننطق كلمة، لا نصدر صوتًا معزولًا، بل نستدعي نظامًا كاملًا من العلاقات: ما يسبقها، وما يلحقها، وما تشترك فيه مع غيرها.
ولعل ما يميز اللغة هو قدرتها على تنظيم الفروق. فالصوت يبدأ في حالة من الإمكان، ثم يدخل طور التمايز، غير أن هذا التمايز يظل غير مستقر ما لم يُحتوَ داخل بنية. اللغة هي ما يمنح هذه الفروق نظامها، فتجعلها قابلة لأن تُفهم، لا كاختلافات عابرة، بل كعلاقات ذات دلالة، من هنا، لا تكون اللغة إضافةً خارجيةً إلى الصوت، بل إعادة ترتيب له من الداخل. إنها لا تُلغي حيويته، بل تمنحه استقرارًا نسبيًا يتيح له أن يُفهم ويُتداول. كأن اللغة توازن بين أمرين: تثبيت المعنى من جهة، وإبقاؤه مفتوحًا للتحول من جهة أخرى. وهذا ما يجعل اللغة بنيةً حيّة. فهي، وإن بدت نظامًا، لا تنغلق على ذاتها، بل تتشكل باستمرار عبر الاستعمال، وتعيد تنظيم نفسها كلما دخلت في سياق جديد، وما يبقى ثابتًا ليس شكلها، بل حاجتنا إليها بوصفها شرطًا للفهم المشترك. بهذا المعنى، لا تكون اللغة نقيضًا للصوت، بل امتداده المنظّم فإذا كان الصوت لحظة انبثاق المعنى، فإن اللغة هي المجال الذي يُعاد فيه توزيع هذا المعنى، بحيث يصبح قابلًا لأن يُفهم خارج حدود التجربة الفردية، ومع ذلك، لا تمثل اللغة نهاية المسار، فبمجرد أن تستقر الأصوات داخل نظام، تبدأ مرحلة أخرى: مرحلة الاستعمال، حيث تدخل اللغة في تفاصيل الحياة اليومية، وتكتسب معانيها من السياق، وتتغير عبر الزمن.
مأمور أول مأمور جوك¹: باحث