رئيس الدولة يؤكد اهتمام الإمارات بتعزيز تعاونها في المجالات التنموية مع دول القارة الإفريقية
إعادة التدوير والاقتصاد الدائري
أصبحت عبارة «الاقتصاد الدائري» حاضرة بقوة في الخطاب البيئي والاقتصادي، لكنها كثيراً ما تُستخدم باعتبارها مرادفاً لإعادة التدوير. والحقيقة أن الفرق بينهما جوهري: إعادة التدوير جزء من الاقتصاد الدائري، وليست الاقتصاد الدائري كله.
لفهم ذلك، علينا العودة إلى النموذج الاقتصادي الخطي التقليدي: استخراج الموارد، تصنيع، استهلاك، تخلّص. وفي هذا النموذج تظهر إعادة التدوير في نهاية الرحلة، عندما يتحول المنتج إلى نفاية، فنحاول استرداد الورق أو المعادن أو الزجاج أو البلاستيك وإعادتها إلى دورة الإنتاج.
وهذا مهم لأنه يقلل النفايات المتجهة إلى المكبات ويخفض الحاجة إلى بعض المواد الخام البكر. لكن المشكلة أن إعادة التدوير تبدأ غالباً بعد أن أصبحت المادة نفاية بالفعل، كما أن بعض المواد تفقد جودتها مع تكرار التدوير، بينما يصعب أو ترتفع تكلفة فصل مكونات منتجات أخرى.
أما الاقتصاد الدائري فيبدأ قبل ظهور النفاية، ويسأل منذ مرحلة التصميم: هل نحتاج إلى هذه المادة أصلاً؟ وهل يمكن تقليل استخدامها؟ وهل يمكن تصميم المنتج ليعيش مدة أطول ويكون قابلاً للإصلاح والتحديث والتفكيك وإعادة الاستخدام؟
وهنا تظهر فكرة أساسية: الحفاظ على القيمة قبل استرداد المادة. فإذا كان لدينا حاسوب صالح للاستخدام، فإن تفكيكه لاسترداد المعادن والبلاستيك يعيد بعض مواده إلى الاقتصاد، لكنه يفقدنا القيمة الأعلى للجهاز نفسه وما استُثمر في تصنيعه من موارد وطاقة وتقنية. أما إصلاحه أو تجديده وإعادة استخدامه فيحافظ على قيمة أكبر.
لذلك يمكن تصور تسلسل دائري يبدأ بـ: التقليل، ثم إعادة الاستخدام، والإصلاح، والتجديد، وإعادة التصنيع، وأخيراً إعادة التدوير عندما تُستنفد الخيارات الأعلى قيمة.
والفرق يتضح أيضاً في زجاجة المياه: إعادة التدوير تسأل كيف نسترد مادة الزجاجة بعد استخدامها، بينما التفكير الدائري يسأل أولاً: هل نحتاج إلى عبوة أحادية الاستخدام؟ وهل يمكن استخدام عبوة قابلة لإعادة التعبئة أو إنشاء نظام للاسترجاع وإعادة الاستخدام؟
ولا يقتصر الاقتصاد الدائري على المواد، بل يمتد إلى نماذج الأعمال؛ مثل التأجير والمشاركة والإصلاح وإعادة البيع وتقديم المنتج كخدمة، بما يمنح المصنع حافزاً لإنتاج سلع أكثر متانة وقابلية للصيانة والاسترداد.
وبالنسبة للدول العربية، تزداد أهمية هذا التحول في ظل الضغوط على المياه والطاقة والموارد والنمو الحضري وتزايد النفايات. لذلك ينبغي الانتقال من إدارة النفايات إلى إدارة الموارد ، ومن سؤال «كم طناً أعدنا تدويره؟» إلى: كم نفاية منعنا من التولد؟ وكم منتجاً أطلنا عمره؟ وكم مورداً تجنبنا استخراجه؟
إعادة التدوير تغيّر مصير النفاية؛ أما الاقتصاد الدائري فيسعى إلى تغيير النظام الذي ينتجها. وهنا يكمن الفرق بين إدارة نتائج المشكلة وإعادة تصميم النظام من الأساس.