رئيس الدولة والرئيس المصري يؤكدان ضرورة الوقف الفوري للتصعيد وتغليب الحوار
«البيئة… التزام ومسؤولية»
هدر الطعام ثقافة فردية
رغم التقدم الملحوظ في إدراج قضية الهدر الغذائي ضمن الأجندات الدولية، وارتباطها المباشر بأهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف 12.3، فإن التجربة العملية تُظهر بوضوح أن سنّ السياسات والتشريعات، على أهميته، لا يضمن وحده تحقيق خفض فعلي ومستدام للهدر الغذائي. فالهدر، في جوهره، ليس فقط مشكلة إدارة موارد، بل هو انعكاس مباشر لأنماط سلوك وقيم استهلاكية متجذّرة في المجتمعات.
في كثير من السياقات، لا ينتج الهدر عن نقص الغذاء أو ضعف الوصول إليه، بل عن ثقافة وفرة تُقاس فيها المكانة الاجتماعية بكمية الطعام المعروض لا بمدى الحاجة إليه. ويتعزز هذا النمط بفعل الإعلانات التجارية، والعروض الترويجية الكبيرة، والمنافسة الاجتماعية غير المعلنة، حيث يصبح الاستهلاك المفرط سلوكًا طبيعيًا أو حتى مرغوبًا، بينما يُساء فهم الترشيد بوصفه تقشفًا أو ضعفًا.
تُظهر الدراسات السلوكية أن معظم الهدر الغذائي على مستوى الأسر والمطاعم لا يحدث فجأة، بل هو نتيجة سلسلة من القرارات الصغيرة، أبرزها الشراء دون قائمة، تجاهل المخزون المنزلي، إعداد كميات تفوق الحاجة، سوء التخزين، والالتباس بين تاريخ الصلاحية وتاريخ الأفضلية. وهذه القرارات، وإن بدت فردية، إلا أنها تتشكل داخل بيئة سوقية تشجع على الاستهلاك السريع، وتكافئ الكم، وتحمّل المستهلك وحده عبء التصرّف المسؤول دون أن توفّر له دائمًا أدوات واضحة لذلك.
وفي المجتمعات ذات الطابع المناسباتي، تزداد حدة المشكلة، إذ يتحول الطعام إلى رمز اجتماعي أكثر منه موردًا غذائيًا، ويُنتَج أحيانًا لإشباع صورة اجتماعية أو التزام عرفي، لا لإشباع فعلي. وهنا يصبح الهدر نتيجة شبه حتمية، حتى مع وجود قوانين أو حملات توعوية.
تُظهر التجارب الدولية أن تغيير السلوك الاستهلاكي ممكن، لكنه تراكمي ويحتاج إلى بيئة تمكينية، تتوافر فيها ثلاثة عناصر مترابطة أولها سن التشريعات والقوانين اللازمة تبعاً لخصوصية كل مجتمع، والثانية حملات توعية ومعلومات واضحة ومبسّطة وثالثاً تحيز فئات المجتمع على المبادرة في الالتزام بالقوانين المحلية الناظمة للترشيد علماً بأن ديننا الإسلامي الحنيف يحثنا على الترشيد وعدم الهدر "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين."
إن معركة خفض الهدر الغذائي ليست معركة أرقام وتقارير فحسب، بل هي معركة قيم وعادات يومية. السياسات تضع الإطار، لكن السلوك يحدد النتيجة. وحين يتحول الترشيد إلى ثقافة عامة، يصبح خفض الهدر نتيجة طبيعية ومستدامة، لا استجابة مؤقتة لحملة أو موسم، وتتحقق في المقابل مكاسب بيئية واقتصادية واجتماعية متوازنة تعزز الأمن الغذائي وتدعم مسار الاستدامة على المدى الطويل.
info@abudhabienv.ae