«الإمارات للإفتاء» يقرّب خدماته من الجمهور عبر «منصة آراء الإفتائية التفاعلية»
ساجدة الشوا من منتدى هيلي : العالم أمام إعادة تشكيل للنظام الإنساني الدولي
لم تكن كلمة ساجدة الشوا، مديرة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» في دولة الإمارات، خلال منتدى هيلي 2026 في أبوظبي، مجرد حديث عن أزمة تمويل المساعدات، بل حملت تشخيصاً أعمق للتحولات التي يشهدها النظام الإنساني الدولي.
فالرسالة الأساسية التي طرحتها الشوا هي أن العالم لا يواجه نقصاً مؤقتاً في التمويل فحسب، وإنما إعادة تشكيل هيكلية للنظام الإنساني العالمي، بفعل تعقّد الحروب والأزمات، وصعوبة الوصول إلى مناطق الصراع، وتزايد المخاطر التي تواجه العاملين في المجال الإنساني، وتغير أولويات الدول والجهات المانحة.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه ينقل النقاش من سؤال حجم التمويل إلى سؤال أكثر جوهرية: هل ما زال النظام الدولي قادراً على إيصال المساعدات إلى المحتاجين في الوقت المناسب، بعيداً عن الحسابات السياسية؟
غزة... الاختبار الأصعب
تُعد غزة أحد أبرز الاختبارات لهذا النظام، في ظل ضخامة الاحتياجات الإنسانية وتعقيدات البيئة الأمنية والسياسية. فالمساعدات تحتاج إلى ممرات آمنة، وحرية حركة، وحماية للعاملين، وضمانات تمنع استخدام الإغاثة كأداة ضغط سياسي.
ومن هنا، فإن أزمة غزة لا تكشف فقط حجم الاحتياجات الإنسانية، بل تكشف أيضاً مدى هشاشة النظام الدولي عندما يصبح الوصول إلى المدنيين مرتبطاً بالقرارات العسكرية والسياسية.
تسييس المساعدات خطر متزايد
من أخطر التحديات التي تواجه العمل الإنساني تسييس المساعدات أو استخدامها كورقة نفوذ. فالمساعدات يفترض أن تصل إلى المحتاجين وفق حجم الاحتياج، وليس وفق الانتماء السياسي أو الجغرافيا أو الاصطفافات الدولية.
وهنا تبرز أهمية الحفاظ على مبادئ الحياد والاستقلالية الإنسانية، خصوصاً في مناطق الصراع التي تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية مع الاحتياجات الإنسانية.
الدبلوماسية الإنسانية
كلمة الشوا تؤكد أيضاً أن العمل الإنساني لم يعد منفصلاً عن الدبلوماسية. ففي مناطق الحرب، يحتاج العاملون في المجال الإنساني إلى التفاوض مع أطراف متعددة لضمان الوصول إلى المدنيين.
وهنا تبرز أهمية الدبلوماسية الإنسانية التي تسعى إلى فتح مساحات آمنة لإنقاذ الأرواح، حتى عندما يتعذر الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.
أبوظبي منصة للعمل الإنساني
جاء طرح الشوا من أبوظبي، التي رسخت مكانتها كمركز إقليمي ودولي للعمل الإنساني والإغاثي، مستفيدة من بنيتها اللوجستية وخبرتها في الاستجابة للأزمات.
ويمكن للإمارات أن تلعب دوراً أكبر في المرحلة المقبلة عبر تعزيز الشراكات بين الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص والمؤسسات الإنسانية، وتحويل أبوظبي إلى منصة للحوار حول مستقبل العمل الإنساني العالمي.
رسالة إلى المجتمع الدولي
تكمن أهمية كلمة ساجدة الشوا في أنها دقت ناقوس الخطر بشأن مستقبل النظام الإنساني الدولي. فالعالم يدخل مرحلة تتداخل فيها الحروب مع الجغرافيا السياسية، والمساعدات مع الأمن، والكوارث مع تغير المناخ، والتمويل الإنساني مع المصالح السياسية.
وفي هذه البيئة، لا يحتاج العالم إلى مزيد من الأموال فقط، بل إلى نظام إنساني أكثر مرونة واستقلالاً وقدرة على الوصول إلى المدنيين في أوقات الحرب والأزمات.
ومن أبوظبي، جاءت الرسالة واضحة: الإنسانية لا تستطيع انتظار انتهاء الحروب حتى تتحرك؛ فالمساعدات يجب أن تصل أثناء الحرب، والدبلوماسية الإنسانية يجب أن تعمل وسط الصراع، وإعادة الإعمار يجب أن تبدأ قبل أن تنتهي آثار الدمار .