رئيس الدولة والرئيس العراقي يبحثان هاتفياً التطورات الإقليمية وتداعياتها
متاجر الأغذية الكبرى
يُعد هدر الغذاء أحد أكثر التحديات تعقيدًا في منظومة الغذاء العالمية، إذ تشير التقديرات إلى أن ثلث الغذاء المنتج عالميًا يُهدر سنويًا عبر مختلف مراحل سلسلة التوريد، من المزرعة إلى مائدة المستهلك. وتشمل هذه الخسائر نحو 45 % من الفواكه والخضراوات، و35% من الأسماك والمأكولات البحرية، و30% من الحبوب، و20% من اللحوم ومنتجات الألبان، وهو ما يمثل استنزافًا هائلًا للموارد الطبيعية، ويهدد الأمن الغذائي العالمي في ظل النمو السكاني المتوقع ليصل إلى 9.8 مليار نسمة بحلول عام 2050.
في هذا السياق، تحتل متاجر الأغذية الكبرى موقعًا استراتيجيًا فريدًا يمكّنها من لعب دور محوري في الحد من الهدر الغذائي، نظرًا لتأثيرها المباشر على جميع حلقات سلسلة التوريد، وارتباطها الوثيق بالمزارعين والمصنّعين والمستهلكين. ففي بعض الدول، مثل المملكة المتحدة، تسيطر أكبر سبعة متاجر تجزئة على نحو 87% من سوق الأغذية، ما يمنحها قوة سوقية قادرة على إحداث تحولات بنيوية في أنماط الإنتاج والتوزيع والاستهلاك.
ويقترح تحليل هارفارد بيزنس ريفيو استراتيجية متكاملة من أربعة محاور رئيسية تمكّن متاجر الأغذية من تقليص الهدر الغذائي، وفي الوقت ذاته تعزيز كفاءتها الاقتصادية والتنافسية.
أول هذه المحاور يتمثل في تطوير نظم إدارة المخزون باستخدام التقنيات الحديثة. فقد أسهمت الأتمتة وتحليل البيانات في تحسين التنبؤ بالطلب، وتقليل فائض المخزون، والحد من تلف الأغذية سريعة التلف.
أما المحور الثاني فيرتكز على إقامة شراكات استراتيجية مع المزارعين. إذ يبدأ الهدر الغذائي في كثير من الأحيان من الحقول، حيث تُترك نسب من المحاصيل دون حصاد بسبب فائض الإنتاج أو تقلب الطلب. ومن خلال مشاركة بيانات التوقعات، واعتماد نماذج تسعير عادلة تعكس تكاليف الإنتاج، يمكن لمتاجر التجزئة دعم استدامة الإنتاج الزراعي وتقليل الهدر.
ويركز المحور الثالث على تغيير أو إيقاف الممارسات التقليدية في المتاجر التي تؤدي إلى زيادة الهدر، مثل المعايير الجمالية الصارمة للفواكه والخضروات، وسوء فهم ملصقات تواريخ الصلاحية.
أما المحور الرابع، فيتمثل في التعاون مع المستهلكين وتغيير سلوكهم الاستهلاكي. فالهدر المنزلي يُعد أحد أكبر مصادر الفاقد الغذائي، خاصة في ظل ارتفاع الدخل وضعف التعامل مع بقايا الطعام. وتتمتع متاجر الأغذية بقدرة كبيرة على التأثير في وعي المستهلكين، عبر حملات توعوية، ومجلات غذائية، وبرامج إعلامية، ومبادرات مجتمعية تشجع على إعادة استخدام الطعام وتقليل الهدر.
في المحصلة، لا تقتصر أهمية دور متاجر الأغذية الكبرى على الحد من الهدر الغذائي فحسب، بل تمتد إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك، وبناء منظومة غذائية أكثر كفاءة وعدالة واستدامة.